تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
واعلم أن المبطل إما أن يكون ضالًا فقط ، وإما أن يكون مع كونه ضالًا يكون مضلًا ، والقوم كانوا موصوفين بالأمرين جميعاً فبدأ تعالى بالإنكار عليهم في الصفة الأولى على سبيل الرفق واللطف . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قوله
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ
واختلفوا فيمن المراد بأهل الكتاب ، فقال الحسن : هم علماء أهل الكتاب الذين علموا صحة نبوته ، واستدل عليه بقوله
وَأَنْتُمْ شُهَداءُ
وقال بعضهم : بل المراد كل أهل الكتاب لأنهم وإن لم يعلموا فالحجة قائمة عليهم فكأنهم بترك الاستدلال والعدول إلى التقليد بمنزلة من علم ثم أنكر . فإن قيل : ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار ؟ . قلنا لوجهين : الأول : أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، ثم أجاب عن شبههم في ذلك ، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال :
يا أَهْلَ الْكِتابِ
فهذا الترتيب الصحيح الثاني : أن معرفتهم بآيات اللّه أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوّة ، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته . المسألة الثانية : قالت المعتزلة في قوله تعالى :
لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ
دلالة على أن الكفر من قبلهم حتى يصح هذا التوبيخ وكذلك لا يصح توبيخهم على طولهم وصحتهم ومرضهم . والجواب عنه : المعارضة بالعلم والداعي . المسألة الثالثة : المراد من آيات الله الآيات التي نصبها اللّه تعالى على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ، والمراد بكفرهم بها كفرهم بدلالتها على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام . ثم قال :
وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ
الواو للحال والمعنى : لم تكفرون بآيات اللّه التي دلتكم على صدق محمد عليه الصلاة والسلام ، والحال أن اللّه شهيد على أعمالكم ومجازيكم عليها وهذه الحال توجب أن لا تجترؤا على الكفر بآياته . ثم إنه تعالى لما أنكر عليهم في ضلالهم ذكر بعد ذلك الإنكار عليهم في إضلالهم لضعفة المسلمين فقال :
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ
قال الفرّاء : يقال صددته أصده صداً وأصددته إصداداً ، وقرأ الحسن تصدون بضم التاء من أصده ، قال المفسرون : وكان صدهم عن سبيل اللّه بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين وكانوا ينكرون كون صفته صلى اللّه عليه وسلم في كتابهم . ثم قال :
تَبْغُونَها عِوَجاً
العوج بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى ، وهو الدين والقول ، فأما الشيء الذي يرى فيقال فيه : عوج بفتح العين كالحائط والقناة والشجرة ، قال ابن الأنباري : البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك : بغيت المال والأجر والثواب وأريد هاهنا : تبغون لها عوجاً ، ثم أسقطت اللام كما قالوا : وهبتك درهماً أي وهبت لك درهما ، ومثله صدت لك ظبياً وأنشد :
فتولى غلامهم ثم نادى * أظليما أصيدكم أم حماراً