تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
المنافع فيه ، أما الآتي بالنوع الثاني فإنه لا يأتي به إلا لمجرد الانقياد والطاعة والعبودية ، فلأجل هذا المعنى اشتمل الأمر بالحج في هذه الآية على أنواع كثيرة من التوكيد أحدها : قوله
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
والمعنى أنه سبحانه لكونه إلهاً ألزم عبيده هذه الطاعة فيجب الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أو لم يعرفوا وثانيها : أنه ذكر
النَّاسِ
ثم أبدل منه
مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
وفيه ضربان من التأكيد ، أما أولًا فلأن الإبدال تثنية للمراد وتكرير ، وذلك يدل على شدة العناية ، وأما ثانياً فلأنه أجمل أولًا وفصل ثانياً وذلك يدل على شدة الاهتمام وثالثها : أنه سبحانه عبّر عن هذا الوجوب بعبارتين إحداهما : لام الملك في قوله
وَلِلَّهِ
وثانيتهما : كلمة ( على ) وهي للوجوب في قوله
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
ورابعها : أن ظاهر اللفظ يقتضي إيجابه على كل إنسان يستطيعه ، وتعميم التكليف يدل على شدة الاهتمام وخامسها : أنه قال
وَمَنْ كَفَرَ
مكان ، ومن لم يحج وهذا تغليظ شديد في حق تارك الحج وسادسها : ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان وسابعها : قوله
عَنِ الْعالَمِينَ
ولم يقل عنه لأن المستغني عن كل العالمين أولى أن يكون مستغنياً عن ذلك الإنسان الواحد وعن طاعته ، فكان ذلك أدل على السخط وثامنها : أن في أول الآية قال :
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ
فبيّن أن هذا الإيجاب كان لمجرد عزة الإلهية وكبرياء الربوبية ، لا لجر نفع ولا لدفع ضر ، ثم أكد هذا في آخر الآية بقوله
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
ومما يدل من الأخبار على تأكيد الأمر بالحج ، قوله عليه الصلاة والسلام : « حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالث » و روي « حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه » قيل : معناه أنه يتعذر عليكم السفر في البر في مكة لعدم الأمن أو غيره ، وعن ابن مسعود « حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا هلكت » .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 98 إلى 99 ]

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ( 98 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 99 ) [ في قوله تعالى
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ
] اعلم أن في كيفية النظم وجهين الأول : وهو الأوفق : أنه تعالى لما أورد الدلائل على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام مما ورد في التوراة والإنجيل من البشارة بمقدمه ، ثم ذكر عقيب ذلك شبهات القوم . فالشبهة الأولى : ما يتعلق بإنكار النسخ . وأجاب عنها بقوله
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ
[ آل عمران : 93 ] . والشبهة الثانية : ما يتعلق بالكعبة ووجوب استقبالها في الصلاة ووجوب حجها . وأجاب عنها بقوله
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 96 ] إلى آخرها ، فعند هذا تمت وظيفة الاستدلال وكمل الجواب عن شبهات أرباب الضلال ، فعند ذلك خاطبهم بالكلام اللين وقال :
لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ
بعد ظهور البينات وزوال الشبهات ، وهذا هو الغاية القصوى في ترتيب الكلام وحسن نظمه . الوجه الثاني : وهو أنه تعالى لما بين فضائل الكعبة ووجوب الحج ، والقوم كانوا عالمين بأن هذا هو الدين الحق والملة الصحيحة قال لهم :
لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ
بعد أن علمتم كونها حقة صحيحة .