تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
ثم قال تعالى :
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ
وفيه مسائل : المسألة الأولى :
أَلَّا
فيه وجهان أحدهما : أنه استثناء متصل والثاني : أنه منقطع ، أما الأول ففيه وجهان الأول : أنه راجع إلى قوله تعالى :
إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
وذلك لأن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب ، وقد يكون إلى أجل بعيد ، فلما أمر بالكتبة عند المداينة ، استثنى عنها ما إذا كان الأجل قريباً ، والتقدير : إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن يكون الأجل قريباً ، وهو المراد من التجارة الحاضرة والثاني : أن هذا استثناء من قوله
وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً
وأما الاحتمال الثاني ، وهو أن يكون هذا استثناء منقطعاً فالتقدير : لكنه إذا كانت التجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها ، فهذا يكون كلاماً مستأنفاً ، وإنما رخص تعالى في ترك الكتبة والإشهاد في هذا النوع من التجارة ، لكثرة ما يجري بين الناس ، فلو تكلف فيها الكتبة والإشهاد لشق الأمر على الخلق ، ولأنه إذا أخذ كل واحد من المتعاملين حقه من صاحبه في ذلك المجلس ، لم يكن هناك خوف التجاحد ، فلم يكن هناك حاجة إلى الكتبة والإشهاد . المسألة الثانية : قوله
أَنْ تَكُونَ
فيه قولان أحدهما : أنه من الكون بمعنى الحدوث والوقوع كما ذكرناه في قوله
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ
والثاني : قال الفرّاء : إن شئت جعلت
كانَ
هاهنا ناقصة على أن الاسم تجارة حاضرة ، والخبر تديرونها ، والتقدير : إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم . المسألة الثالثة : قرأ عاصم
تِجارَةً
بالنصب ، والباقون بالرفع ، أما القراءة بالنصب فعلى أنه خبر كان ، ولا بد فيه من إضمار الاسم ، وفيه وجوه أحدها : التقدير : إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كتبة الكتاب ، ومنه قول الشاعر :
بني أسد هل تعلمون بلاءنا * إذا كان يوما ذا كواكب أشهبا
أي إذا كان اليوم وثانيها : أن يكون التقدير : إلا أن يكون الأمر والشأن تجارة وثالثها : قال الزجاج : التقدير إلا أن تكون المداينة تجارة حاضرة ، قال أبو علي الفارسي : هذا غير جائز لأن المداينة لا تكون تجارة حاضرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المداين إذا كانت إلى أجل ساعة ، صح تسميتها بالتجارة الحاضرة ، فإن من باع ثوباً بدرهم في الذمة بشرط أن تؤدي الدرهم في هذه الساعة كان ذلك مداينة وتجارة حاضرة ، وأما القراءة بالرفع ، فالوجه فيها ما ذكرناه في المسألة الثانية واللّه أعلم . المسألة الرابعة : التجارة عبارة عن التصرف في المال سواء كان حاضراً أو في الذمة لطلب الربح ، يقال : تجر الرجل يتجر تجارة فهو تاجر ، واعلم أنه سواء كانت المبايعة بدين أو بعين ، فالتجارة تجارة حاضرة ، فقوله
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً
لا يمكن حمله على ظاهره ، بل المراد من التجارة ما يتجر فيه من الإبدال ، ومعنى إدارتها بينهم معاملتهم فيها يداً بيد ، ثم قال :
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها
[ البقرة : 282 ] معناه : لا مضرة عليكم في ترك الكتابة ، ولم يرد الإثم عليكم لأنه لو أراد الإثم لكانت الكتابة المذكورة واجبة عليهم ، ويأثم صاحب الحق بتركها ، وقد ثبت خلاف ذلك وبيان أنه لا مضرة عليهم في تركها ما قدمناه . ثم قال تعالى :
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ
وأكثر المفسرين قالوا : المراد أن الكتابة وإن رفعت عنهم في التجارة إلا أن الاشهاد ما رفع عنهم ، لأن الإشهاد بلا كتابة أخف مؤنة ، ولأن الحاجة إذا وقعت إليها لا يخاف فيها النسيان .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 98 | فخر الدين الرازي