تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
الوجه الثاني : أن قوله
فَتُذَكِّرَ
مقابل لما قبله من قوله
أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما
فلما كان الضلال مفسر بالنسيان كان الإذكار مفسراً بما يقابل النسيان . ثم قال تعالى :
وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا
وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية وجوه الأول : وهو الأصح : أنه نهي الشاهد عن الامتناع عن أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها والثاني : أن المراد تحمل الشهادة على الإطلاق ، / وهو قول قتادة واختيار القفال ، قال : كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة ، كذلك أمر الشاهد أن لا يأبى عن تحمل الشهادة ، لأن كل واحد منهما يتعلق بالآخر ، وفي عدمهما ضياع الحقوق الثالث : أن المراد تحمل الشهادة إذا لم يوجد غيره الرابع : وهو قول الزجاج : أن المراد بمجموع الأمرين التحمل أولًا ، والأداء ثانياً ، واحتج القائلون بالقول الأول من وجوه الأول : أن قوله
وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا
يقتضي تقديم كونهم شهداء ، وذلك لا يصح إلا عند أداء الشهادة ، فأما وقت التحمل فإنه لم يتقدم ذلك الوقت كونهم شهداء . فإن قيل : يشكل هذا بقوله
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ
وكذلك سماه كاتباً قبل أن يكتب . قلنا : الدليل الذي ذكرناه صار متروكاً بالضرورة في هذه الآية فلا يجوز أن نتركه لعلة ضرورة في تلك الآية والثاني : أن ظاهر قوله
وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا
النهي عن الامتناع ، والأمر بالفعل ، وذلك للوجوب في حق الكل ، ومعلوم أن التحمل غير واجب على الكل ، فلم يجز حمله عليه ، وأما الأداء بعد التحمل فإنه واجب على الكل ، ومتأكد بقوله تعالى :
وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ
فكان هذا أولى الثالث : أن الأمر بالإشهاد يفيد أمر الشاهد بالتحمل من بعض الوجوه ، فصار الأمر بتحمل الشهادة داخلًا في قوله
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ
فكان صرف قوله
وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا
إلى الأمر بالأداء حملًا له على فائدة جديدة ، فكان ذلك أولى ، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعي إليها . واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعيناً ، وإما أن يكون فيهم كثرة ، فإن كان متعيناً وجب عليه أداء الشهادة ، وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضاً على الكفاية . المسألة الثانية : قد شرحنا دلالة هذه الآية على أن العبد لا يجوز أن يكون شاهداً فلا نعيده الثالثة : قال الشافعي رضي اللّه عنه : يجوز القضاء بالشاهد واليمين ، وقال أبو حنيفة رضي اللّه عنه : لا يجوز ، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال : إن اللّه تعالى أوجب عند عدم شهادة رجلين شهادة الرجل والمرأتين على التعيين ، فلو جوزنا الاكتفاء بالشاهد واليمين لبطل ذلك التعيين ، وحجة الشافعي رضي اللّه عنه أنه صلى اللّه عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين ، وتمام الكلام فيه مذكور في خلافيات الفقه . واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولًا ، ثم بالإشهاد ثانياً ، أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد ، فأمر بالكتبة ، فقال :
وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : السآمة الملال والضجر ، يقال : سئمت الشيء سأماً وسآمة ، والمقصود من / الآية البعث على الكتابة قل المال أو كثر ، فإن القليل من المال في هذا الاحتياط كالكثير ، فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من المال ربما أدى إلى فساد عظيم ولجاج شديد ، فأمر تعالى في الكثير والقليل بالكتابة ، فقال :
وَلا تَسْئَمُوا
أي ولا تملوا فتتركوا ثم تندموا .