وإنما شدد تعالى في ذلك ، لأن من انتظر مدة طويلة في حلول الأجل ، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له ، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم ، فقال :
اتَّقُوا اللَّهَ
واتقاؤه ما نهى عنه
وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا
يعني إن كنتم قد قبضتم شيئاً فيعفو عنه ، وإن لم تقبضوه ، أو لم تقبضوا بعضه ، فذلك الذي لم تقبضوه كلا كان ، أو بعضاً فإنه محرم قبضه .
واعلم أن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا ، وذلك لأن ما مضى في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقص ، ولا يفسخ ، وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام ، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب ، وإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة فقد مضى ، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى هذا مذهب الشافعي رضي اللّه عنه .
فإن قيل : كيف قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
ثم قال في آخره
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
.
الجواب : من وجوه الأول : أن هذا مثل ما يقال : إن كنت أخاً فأكرمني ، معناه : إن من كان أخا أكرم أخاه والثاني : قيل : معناه إن كنتم مؤمنين قبله الثالث : إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان الرابع : يا أيها الذين آمنوا بلسانهم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم .
المسألة الثانية : في سبب نزول الآية روايات :
الرواية الأولى : أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما أسلموا عند فتح مكة أمرهم اللّه / تعالى أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة .
والرواية الثانية : قال مقاتل : إن الآية نزلت في أربعة أخوة من ثقيف : مسعود ، وعبد يا ليل ، وحبيب ، وربيعة ، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة ، فلما ظهر النبي صلى اللّه عليه وسلم على الطائف أسلم الأخوة ، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية .
والرواية الثالثة : نزلت في العباس ، وعثمان بن عفان رضي اللّه عنهما وكانا أسلفا في التمر ، فلما حضر الجداد قبضا بعضاً ، وزاد في الباقي فنزلت الآية ، وهذا قول عطاء وعكرمة .
الرواية الرابعة : نزلت في العباس وخالد بن الوليد ، وكانا يسلفان في الربا ، وهو قول السدي .
المسألة الثالثة : قال القاضي : قوله
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
كالدلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق إذا اجتنب كل الكبائر .
والجواب : لما دلّت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
[ البقرة : 3 ] على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه ، فكان التقدير : إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان ، وهذا وإن كان تركاً للظاهر لكنا ذهبنا إليه لتلك الدلائل .
ثم قال تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة ( فآذنوا ) مفتوحة الألف ممدودة مكسورة الذال على مثال
فَآمِنُوا *
والباقون
فَأْذَنُوا
بسكون الهمزة مفتوحة الذال مقصورة ،
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعن علي رضي اللّه عنه أنهما