أنا خالفنا هذا الظاهر وأدخلنا سائر الكفار فيه ، لكنه يبقى على ظاهره في صاحب الكبيرة فتأمل في هذه المواضع ، وذلك أن مذهبنا أن صاحب الكبيرة إذا كان مؤمنا باللّه ورسوله يجوز في حقه أن يعفو اللّه عنه ، ويجوز أن يعاقبه اللّه وأمره في البابين موكل إلى اللّه ، ثم بتقدير أن يعاقبه اللّه فإنه لا يخلد في النار بل يخرجه منها ، واللّه تعالى بيّن صحة هذا المذهب في هذه الآيات بقوله
وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ
على جواز العفو في حق صاحب الكبيرة على ما بيناه .
ثم قوله
فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
يدل على أن بتقدير أن يدخله اللّه النار لكنه لا يخلده فيها لأن الخلود مختص بالكفار لا بأهل الإيمان ، وهذا بيان شريف وتفسير حسن .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 276 ]
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ( 276 )
[ في قوله تعالى
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ
] اعلم أنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا ، وكان قد بالغ في الآيات المتقدمة في الأمر بالصدقات ، ذكر هاهنا ما يجرى مجرى الدعاء إلى ترك الصدقات وفعل الربا ، وكشف عن فساده ، وذلك لأن الداعي إلى فعل الربا تحصيل المزيد في الخيرات ، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان الخير فبين تعالى أن الربا وإن كان زيادة في الحال ، إلا أنه نقصان في الحقيقة ، وأن الصدقة وإن كانت نقصاناً في الصورة ، إلا أنها زيادة في المعنى ، ولما كان الأمر كذلك كان اللائق بالعاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس من الدواعي والصوارف ، بل يعول على ما ندبه الشرع إليه من الدواعي والصوارف فهذا وجه النظم وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : المحق نقصان الشيء حالا بعد حال ، ومنه المحاق في الهلال يقال : محقه اللّه فانمحق وامتحق ، ويقال : هجير ما حق إذا نقص في كل شيء بحرارته .
المسألة الثانية : اعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا ، وأن يكون في الآخرة ، أما في الدنيا فنقول : محق الربا في الدنيا من وجوه أحدها : أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أنه تؤل عاقبته إلى الفقر ، وتزول البركة عن ماله ،
قال صلى اللّه عليه وسلم : « الربا وإن كثر فإلى قل »
وثانيها : إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم ، والنقص ، وسقوط العدالة ، وزوال الأمانة ، وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة وثالثها : أن الفقراء الذين يشاهدون أنه أخذ أموالهم بسبب الربا يلعنونه ويبغضونه ويدعون عليه ، وذلك يكون سبباً لزوال الخير والبركة عنه في نفسه وماله ورابعها : أنه متى اشتهر بين الخلق أنه إنما جمع ماله من الربا توجهت إليه الأطماع ، وقصده كل ظالم ومارق وطماع ، ويقولون : إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده ، وأما إن الربا سبب للمحق في الآخرة فلوجوه الأول : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : معنى هذا المحق أن اللّه تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً ، ولا حجاً ، ولا صلة رحم وثانيها : إن مال الدنيا لا يبقى عند الموت ، ويبقى التبعة والعقوبة ، وذلك هو الخسار الأكبر وثالثها : أنه ثبت في الحديث أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام ، فإذا كان الغني من الوجه الحلال كذلك ، فما ظنك بالغني من الوجه الحرام المقطوع بحرمته كيف يكون ، فذلك هو المحق والنقصان .
وأما أرباب الصدقات فيحتمل أن يكون المراد في الدنيا ، وأن يكون المراد في الآخرة .
أما في الدنيا فمن وجوه أحدها : أن من كان اللّه له ، فإذا كان الإنسان مع فقره وحاجته يحسن إلى