بالإغماض فيه ، ونظيره إضمار التي في قوله تعالى :
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها
[ البقرة :
256 ] والمعنى الوثقى التي لا انفصام لها .
أما قوله تعالى :
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : الإغماض في اللغة غض البصر ، وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض ، وهو الخفاء يقال : هذا الكلام غامض أي خفي الإدراك والغمض المتطامن الخفي من الأرض .
المسألة الثانية : في معنى الإغماض في هذه الآية وجوه الأول : أن المراد بالإغماض هاهنا المساهلة ، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضاً ، فقوله
وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
يقول لو أهدى إليكم مثل هذه الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض ، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم والثاني : أن يحمل الإغماض على المتعدى كما تقول : أغمضت بصر الميت وغمضته والمعنى ولستم بآخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع يعني أمرتموه بالإغماض والحط من الثمن .
ثم ختم الآية بقوله
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
والمعنى أنه غني عن صدقاتكم ، ومعنى حميد ، أي / محمود على ما أنعم بالبيان وفيه وجه آخر ، وهو أن قوله
غَنِيٌّ
كالتهديد على إعطاء الأشياء الرديئة في الصدقات و
حَمِيدٌ
بمعنى حامد أي أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات وهو كقوله
فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
.
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 268 ]
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 268 )
اعلم أنه تعالى لما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك من وسوسة الشيطان فقال :
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ
أي يقال إن أنفقت الأجود صرت فقيراً فلا تبال بقوله فإن الرحمن
يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا
وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اختلفوا في الشيطان فقيل إبليس وقيل سائر الشياطين وقيل شياطين الجن والإنس وقيل النفس الأمارة بالسوء .
المسألة الثانية : الوعد يستعمل في الخير والشر ، قال اللّه تعالى :
النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الحج :
72 ] ويمكن أن يكون هذا محمولًا على التهكم ، كما في قوله
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ *
.
المسألة الثالثة : الفقر والفقر لغتان ، وهو الضعيف بسبب قلة المال وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار ، يقال : رجل فقر وفقير إذا كان مكسور الفقار ، قال طرفة .
إنني لست بمرهون فقر
قال صاحب « الكشاف » : قريء الفقر بالضم والفقر بفتحتين .
المسألة الرابعة : أما الكلام في حقيقة الوسوسة ، فقد ذكرناه في أول الكتاب في تفسير ( أعوذ باللّه من