والجواب : أنه كلما كانت الشبهة أقوى مع علم الإنسان في الجملة أنها شبهة كان سماع الدليل المزيل لتلك الشبهة آكد ووقوعه في العمل أكمل فكأنه تعالى لما قال :
بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ
قال :
فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ
فإن هذا مما يؤكد قولك
لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
فحينئذ يعظم اشتياقك إلى الدليل الذي يكشف عن هذه الشبهة ، ثم قال بعده
وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ
فرأى الحمار صار رميماً وعظاماً نخرة فعظم تعجبه من قدرة اللّه تعالى ، فإن الطعام والشراب يسرع التغير فيهما ، والحمار ربما بقي دهراً طويلًا وزماناً عظيماً ، فرأى ما لا يبقى باقياً ، وهو الطعام والشراب ، وما يبقى غير باق وهو العظام ، فعظم تعجبه من قدرة اللّه تعالى ، وتمكن وقوع هذه الحجة في عقله وفي قلبه .
السؤال الثاني : أنه تعالى ذكر الطعام والشراب ، وقوله
لَمْ يَتَسَنَّهْ
راجع إلى الشراب لا إلى الطعام .
والجواب : كما يوصف الشراب بأنه لم يتغير ، كذلك يوصف الطعام بأنه لم يتغير ، لا سيما إذا كان الطعام لطيفاً يتسارع الفساد إليه ،
والمروي أن طعامه كان التين والعنب ، وشرابه كان عصير العنب واللبن ،
وفي قراءة ابن مسعود رضي اللّه عنه وانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن .
أما قوله تعالى :
وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ
فالمعنى أنه عرف طول مدة موته بأن شاهد عظام حماره نخرة رميمة ، وهذا في الحقيقة لا يدل بذاته ، لأنه لما شاهد انقلاب العظام النخرة حياً في الحال علم أن القادر على ذلك قادر على أن يميت الحمار في الحال ويجعل عظامه رميمة نخرة في الحال ، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بعظام الحمار على طول مدة الموت ، بل انقلاب عظام الحمار إلى الحياة معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله
بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ
قال الضحاك : معنى قوله أنه لما أحيى بعد الموت كان دليلًا على صحة البعث ، وقال غيره : كان آية لأن اللّه تعالى أحياه شابا أسود الرأس ، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والرؤوس .
أما قوله تعالى :
وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ
فقد بينا أن المراد منه التشريف والتعظيم والوعد بالدرجة العالية في الدين والدنيا ، وذلك لا يليق بمن مات على الكفر والشك في قدرة اللّه تعالى .
فإن قيل : ما فائدة الواو في قوله
وَلِنَجْعَلَكَ
قلنا : قال الفرّاء : دخلت الواو لأنه فعل بعدها مضمر ، لأنه لو قال : وانظر إلى حمارك لنجعلك آية ، كان النظر إلى الحمار شرطاً ، وجعله آية جزاء ، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام ، أما لما قال :
وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً
كان المعنى : ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء ، ومثله قوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ
[ الأنعام : 105 ] والمعنى : وليقولوا درست صرفنا الآيات
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
[ الأنعام : 75 ] أي ونريه الملكوت .
أما قوله تعالى :
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ
فأكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره ، فإن اللام فيه بدل الكناية ، وقال آخرون أرادوا به عظام هذا الرجل نفسه ، قالوا : إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه ، وكانت بقية بدنه عظاماً نخرة ، فكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض ، وكان يرى حماره واقفاً كما ربطه حين كان حياً لم يأكل ولم يشرب مائة عام ، وتقدير الكلام على هذا الوجه : وانظر إلى عظامك ، وهذا قول قتادة والربيع وابن زيد ، وهو عندي ضعيف لوجوه أحدها : أن قوله
لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
إنما يليق