كل عضو بما يليق به الضلع إلى الضلع والذراع إلى مكانه ثم جاء الرأس إلى مكانه ثم العصب والعروق ثم أنبت طراء اللحم عليه ، ثم انبسط الجلد عليه ، ثم خرجت الشعور عن الجلد ، ثم نفخ فيه الروح ، فإذا هو قائم ينهق فخر عزير ساجداً ، وقال :
أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ثم إنه دخل بيت المقدس فقال القوم : حدثنا آباؤنا أن عزير بن شرخياء مات ببابل ، وقد كان بختنصر قتل ببيت المقدس أربعين ألفاً ممن قرأ التوراة وكان فيهم عزير ، والقوم ما عرفوا أنه يقرأ التوراة ، فلما أتاهم بعد مائة عام جدد لهم التوراة وأملاها عليهم عن ظهر قلبه لم يخرم منها حرفاً ، وكانت التوراة قد دفنت في موضع فأخرجت وعورض بما أملاه فما اختلفا في حرف ، فعند ذلك قالوا : عزيز ابن اللّه ، وهذه الرواية مشهورة فيما بين الناس ، وذلك يدل على أن ذلك المار كان نبياً .
المسألة الثالثة : اختلفوا في تلك القرية فقال وهب وقتادة وعكرمة والربيع : إيلياء وهي بيت المقدس ، وقال ابن زيد : هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت .
/ أما قوله تعالى :
وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
قال الأصمعي : خوى البيت فهو يخوى خواء ممدود إذا ما خلا من أهله ، والخوا : خلو البطن من الطعام ،
وفي الحديث : « كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا سجد خوى »
أي خلى ما بين عضديه وجنبيه ، وبطنه وفخذيه ، وخوى الفرس ما بين قوائمه ، ثم يقال للبيت إذا انهدم : خوى لأنه بتهدمه يخلو من أهله ، وكذلك : خوت النجوم وأخوت إذا سقطت ولم تمطر لأنها خلت عن المطر ، والعرش سقف البيت ، والعروش الأبنية ، والسقوف من الخشب يقال : عرش الرجل يعرش ويعرش إذا بني وسقف بخشب ، فقوله :
وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
أي منهدمة ساقطة خراب ، قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وفيه وجوه أحدها : أن حيطانها كانت قائمة وقد تهدمت سقوفها ، ثم انقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المنهدمة ، ومعنى الخاوية المنقلعة وهي المنقلعة من أصولها يدل عليه قوله تعالى :
أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
[ الحاقة : 7 ] وموضع آخر
أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
[ القمر : 20 ] وهذه الصفة في خراب المنازل من أحسن ما يوصف به والثاني : قوله تعالى :
خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
أي خاوية عن عروشها ، جعل ( على ) بمعنى ( عن ) كقوله
إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ
[ المطففين : 2 ] أي عنهم والثالث : أن المراد أن القرية خاوية مع كون أشجارها معروشة فكان التعجب من ذلك أكثر ، لأن الغالب من القرية الخالية الخاوية أن يبطل ما فيها من عروش الفاكهة ، فلما خربت القرية مع بقاء عروشها كان التعجب أكثر .
أما قوله تعالى :
قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
فقد ذكرنا أن من قال : المار كان كافراً حمله على الشك في قدرة اللّه تعالى ، ومن قال كان نبياً حمله على الاستبعاد بحسب مجاري العرف والعادة أو كان المقصود منه طلب زيادة الدلائل لأجل التأكيد ، كما قال إبراهيم عليه السلام :
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
[ البقرة : 260 ] وقوله
أَنَّى
أي من أين كقوله
أَنَّى لَكِ هذا
[ آل عمران : 37 ] والمراد بإحياء هذه القرية عمارتها ، أي متى يفعل اللّه تعالى ذلك ، على معنى أنه لا يفعله فأحب اللّه أن يريه في نفسه ، وفي إحياء القرية آية
فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ
وقد ذكرنا القصة .
فإن قيل : ما الفائدة في إماتة اللّه له مائة عام ، مع أن الاستدلال بالإحياء يوم أو بعض يوم حاصل .
قلنا : لأن الإحياء بعد تراخي المدة أبعد في العقول من الإحياء بعد قرب المدة ، وأيضاً فلأن بعد تراخي المدة ما يشاهد منه ، ويشاهد هو من غيره أعجب .