تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
قلنا : أما الأول فمدفوع ، لأن تفسير كلام اللّه تعالى بما لا يحتاج معه إلى الإضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الاضمار والثاني : أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره ، وهاهنا قد تقدم / ذكر اللّه تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
حالا من الراسخين لا من اللّه تعالى ، فيكون ذلك تركاً للظاهر ، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه ، فكان هذا القول أولى . الحجة الخامسة : قوله تعالى :
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل ، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله ، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة . الحجة السادسة : نقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير لا يسع أحداً جهله ، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، وتفسير تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا اللّه تعالى . وسئل مالك بن أنس رحمه اللّه عن الاستواء ، فقال : الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عند بدعة ، وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة ، فإذا ضم ما ذكرناه هاهنا إلى ما ذكرنا هناك تم الكلام في هذه المسألة ، وباللّه التوفيق . ثم قال تعالى :
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
وفيه مسائل : المسألة الأولى : الرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء . واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات اللّه وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ، وعرف أن القرآن كلام اللّه تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأى شيئاً متشابهاً ، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد اللّه تعالى ، علم حينئذ قطعاً أن مراد اللّه شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا يصير كون ظاهره مردوداً شبهة في الطعن في صحة القرآن . ثم حكي عنهم أيضاً أنهم يقولون
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
والمعنى : أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند ربنا ، وفيه سؤالان : السؤال الأول : لو قال : كل من ربنا كان صحيحاً ، فما الفائدة في لفظ
عِنْدِ
؟ . الجواب ، الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد ، فذكر كلمة
عِنْدِ
لمزيد التأكيد . السؤال الثاني : لم جاز حذف المضاف إليه من
كُلٌّ
؟ . الجواب : لأن دلالة المضاف عليه قوية ، فبعد الحذف الأمن من اللبس حاصل . ثم قال :
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
وهذا ثناء من اللّه تعالى على الذين قالوا آمنا به ، ومعناه : ما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة ، فصار هذا اللفظ كالدلالة على أنهم يستعملون عقولهم في فهم القرآن ، فيعلمون الذي يطابق ظاهره دلائل العقول فيكون محكماً ، وأما الذي يخالف ظاهره دلائل العقول فيكون متشابهاً ، ثم يعلمون أن الكل كلام من لا يجوز في كلامه التناقض والباطل ، فيعلمون أن ذلك المتشابه لا بد وأن يكون له معنى صحيح عند اللّه تعالى ، وهذه / الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل