تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
الداعية واجباً ، وعدمه عند عدم هذه الداعية واجباً ، فحينئذ يبطل ذلك التفويض ، وثبت أن الكل بقضاء اللّه تعالى وقدره ومشيئته ، فيصير استدلال المعتزلة بتلك الظواهر وإن كثرت استدلالًا بالمتشابهات ، فبيّن اللّه تعالى في كل هؤلاء الذين يعرضون عن الدلائل القاطعة ويقتصرون على الظواهر الموهمة أنهم يتمسكون بالمتشابهات لأجل أن في قلوبهم زيغاً عن الحق وطلباً لتقرير الباطل . واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة ، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة ثم هو الأمر في ذلك ألا ترى إلى الجبائي فإنه يقوله : المجبرة الذين يضيفون الظلم والكذب ، وتكليف ما لا يطاق إلى اللّه تعالى هم المتمسكون بالمتشابهات . وقال أبو مسلم الأصفهاني : الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال ، ولا يتأوله على المحكم الذي بيّنه اللّه تعالى بقوله
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
[ طه : 85 ]
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى
[ طه : 79 ]
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
[ البقرة : 26 ] وفسروا أيضاً قوله
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها
[ الإسراء : 16 ] على أنه تعالى أهلكهم وأراد فسقهم ، وأن اللّه تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم مع أنه تعالى قال :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ البقرة : 185 ] و
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ
[ النساء : 26 ] وتأولوا قوله تعالى :
زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ
[ النمل : 4 ] على أنه تعالى زين لهم النعمة ونقضوا بذلك ما في القرآن كقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
[ الرعد : 11 ]
وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
[ القصص : 59 ] وقال :
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى
[ فصلت : 17 ] وقال :
فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ *
[ يونس : 108 ] وقال :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ / إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 7 ] فكيف يزين النعمة ؟ فهذا ما قاله أبو مسلم ، وليت شعري لم حكم على الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات ، وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها متشابهات ؟ ولم أوجب في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجرائها على الظاهر ، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر ؟ ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية الباهرة ، فإذا دل على بطلان مذهب المعتزلة الأدلة العقلية ، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين دون الثاني من غير مرجح ، وذلك تصريح بنفي الصانع ، ولا يتم إلا إذا قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم فاعله به ، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا لمخصص ، وذلك نفي للصانع ، ولزم منه أيضاً أن لا يدل صدور الفعل المحكم على كون الفاعل عالماً وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال اللّه تعالى على كون فاعلها عالماً ، ولو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها ، فإذا لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه ، فظهر بما ذكرناه أن القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة . وأما المحقق المنصف ، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة أحدها : ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية ، فذاك هو المحكم حقاً وثانيها : الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها ، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد اللّه تعالى غير ظاهره وثالثها : الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه ، فيكون من