تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
دل عليه
مَنْ ذَا
من الملائكة والأنبياء . المسألة الثانية : في الآية وجوه أحدها : قال مجاهد ، وعطاء ، والسدي
ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
ما كان قبلهم من أمور الدنيا
وَما خَلْفَهُمْ
ما يكون بعدهم من أمر الآخرة والثاني : قال الضحاك والكلبي
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها
وَما خَلْفَهُمْ
الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم والثالث : قال عطاء عن ابن عباس
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
من السماء إلى الأرض
وَما خَلْفَهُمْ
يريد ما في السماوات والرابع :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
بعد انقضاء آجالهم
وَما خَلْفَهُمْ
أي ما كان من قبل أن يخلقهم والخامس : ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك . واعلم أن المقصود من هذا الكلام : أنه سبحانه عالم بأحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق العقاب والثواب ، لأنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه خافية ، والشفعاء لا يعلمون من أنفسهم أن لهم من الطاعة ما يستحقون به هذه المنزلة العظيمة عند اللّه تعالى ، ولا يعلمون أن اللّه تعالى هل أذن لهم في تلك الشفاعة وأنهم يستحقون المقت والزجر على ذلك ، وهذا يدل على أنه ليس لأحد من الخلائق أن يقدم على الشفاعة إلا بإذن اللّه تعالى . المسألة الثالثة : هؤلاء المذكورون في هذه الآية يحتمل أن يكون هم الملائكة ، وسائر من يشفع يوم القيامة من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين . أما قوله
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ
ففيه مسائل : المسألة الأولى : المراد بالعلم هاهنا كما يقال : اللّهم اغفر لنا علمك فينا ، أي معلومك وإذا ظهرت آية عظيمة ، قيل : هذه قدرة اللّه ، أي مقدوره والمعنى : أن أحدا لا يحيط بمعلومات اللّه تعالى . المسألة الثانية : احتج بعض الأصحاب بهذه الآية في إثبات صفة العلم للّه تعالى وهو ضعيف لوجوه أحدها : أن كلمة ( من ) للتبعيض ، وهي داخلة هاهنا على العلم . فلو كان المراد من العلم نفس الصفة لزم دخول التبعيض في صفة اللّه تعالى وهو محال والثاني : أن قوله
بِما شاءَ
لا يأتي في العلم إنما يأتي في المعلوم والثالث : أن الكلام إنما وقع هاهنا في المعلومات ، والمراد أنه تعالى عالم بكل المعلومات ، والخلق لا يعلمون كل المعلومات ، بل لا يعلمون منها إلا القليل . المسألة الثالثة : قال الليث : يقال لكل من أحرز شيئا ، أو بلغ علمه أقصاه قد أحاط به ، وذلك لأنه علم بأول الشيء وآخره بتمامه صار العلم كالمحيط به . أما قوله
إِلَّا بِما شاءَ
ففيه قولان أحدها : أنهم لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا ما شاء هو أن يعلمهم كما حكي عنهم أنهم قالوا
لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا
والثاني : أنهم لا يعلمون الغيب إلا عند اطلاع اللّه بعض أنبيائه على بعض الغيب ، كما قال :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
. أما قوله تعالى :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
فاعلم أنه يقال : وسع فلانا الشيء يسعه سعة إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به ، ولا يسعك هذا ، أي لا تطبقه ولا تحتمله ومنه قوله عليه السلام : « لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أتباعي » أي لا يحتمل غير ذلك وأما الكرسي فأصله في اللغة من تركب الشيء بعضه على
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 12 | فخر الدين الرازي