عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الرعد : 33 ] وقال :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
[ آل عمران : 18 ] إلى قوله
قائِماً بِالْقِسْطِ
وقال :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ
[ فاطر :
41 ] وهذا القول يرجع حاصله إلى كونه مقوماً لغيره ، وقال الضحاك : القيوم الدائم الوجود الذي يمتنع عليه التغير ، وأقول : هذا القول يرجع معناه إلى كونه قائما بنفسه في ذاته وفي وجوده ، وقال بعضهم : القيوم الذي لا ينام بالسريانية ، وهذا القول بعيد ، لأنه يصير قوله
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
.
أما قوله تعالى :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : السنة ما يتقدم من الفتور الذي يسمى النعاس .
فإن قيل : إذ كانت السنة عبارة عن مقدمة النوم ، فإذا قال :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ
فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى ، وكان ذكر النوم تكريراً .
قلنا : تقدير الآية : لا تأخذه سنة فضلًا عن أن يأخذه النوم .
المسألة الثانية : الدليل العقلي دل على أن النوم والسهو والغفلة محالات على اللّه تعالى ، لأن هذه الأشياء ، إما أن تكون عبارات عن عدم العلم ، أو عن أضداد العلم ، وعلى التقديرين فجواز طريانها يقتضي جواز زوال علم اللّه تعالى ، فلو كان كذلك لكانت ذاته تعالى بحيث يصح أن يكون عالماً ، ويصح أن لا يكون عالماً ، فحينئذ يفتقر حصول صفة العلم له إلى الفاعل ، والكلام فيه كما في الأول والتسلسل محال فلا بد وأن ينتهي إلى من يكون علمه صفة واجبة الثبوت ممتنعة الزوال ، / وإذا كان كذلك كان النوم والغفلة والسهو عليه محالا .
المسألة الثالثة :
يروى عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه حكي عن موسى عليه السلام أنه وقع في نفسه : هل ينام اللّه تعالى أم لا ، فأرسل اللّه إليه ملكاً فأرقه ثلاثا ، ثم أعطاه قارورتين في كل يد واحدة ، وأمره بالاحتفاظ بهما ، وكان يتحرز بجهده إلى أن نام في آخر الأمر فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان ، فضرب اللّه تعالى ذلك مثلًا له في بيان أنه لو كان ينام لم يقدر على حفظ السماوات والأرض .
واعلم أن مثل هذا لا يمكن نسبته إلى موسى عليه السلام ، فإن من جوز النوم على اللّه أو كان شاكاً في جوازه كان كافراً ، فكيف يجوز نسبة هذا إلى موسى ، بل إن صحت الرواية ، . فالواجب نسبة هذا السؤال إلى جهال قومه .
أما قوله تعالى :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
فالمراد من هذه الإضافة إضافة الخلق والملك ، وتقديره ما ذكرنا من أنه لما كان واجب الوجود واحداً كان ما عداه ممكن الوجود لذاته وكل ممكن فله مؤثر ، وكل ما له مؤثر فهو محدث فإذن كل ما سواه فهو محدث بإحداثه مبدع بإبداعه فكانت هذه الإضافة إضافة الملك والإيجاد .
فإن قيل : لم قال :
لَهُ ما فِي السَّماواتِ
ولم يقل : له من في السماوات ؟ .
قلنا : لما كان المراد إضافة ما سواه إليه بالمخلوقية ، وكان الغالب عليه ما لا يعقل أجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ
ما
وأيضاً فهذه الأشياء إنما أسندت إليه من حيث إنها مخلوقة ، وهي من حيث إنها