تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
له من مانع ، ويمتنع وصف المرض بكونه حابسا ومانعا ، لأن الحبس والمنع فعل ، وإضافة الفعل إلى المرض محال عقلا ، لأن المرض عرض لا يبقى زمانين ، فكيف يكون فاعلا وحابسا ومانعا ، أما وصف العدو بأنه حابس ومانع ، فوصف حقيقي ، وحمل الكلام على حقيقته أولى من حمله على مجازه . الحجة الرابعة : أن الإحصار مشتق من الحصر ولفظ الحصر لا إشعار فيه بالمرض ، فلفظ الإحصار وجب أن يكون خاليا عن الاشعار بالمرض قياسا على جميع الألفاظ المشتقة . الحجة الخامسة : أنه تعالى قال بعد هذه الآية :
فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ
فعطف عليه المريض ، فلو كان المحصر هو المريض أو من يكون المرض داخلا فيه ، لكان هذا عطفا للشيء على نفسه . فإن قيل : إنه خص هذا المرض بالذكر لأن له حكما خاصا ، وهو حلق الرأس ، فصار تقدير الآية إن منعتم بمرض تحللتم بدم ، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفرتم . قلنا : هذا وإن كان حسنا لهذا الغرض ، إلا أنه مع ذلك يلزم عطف الشيء على نفسه ، أما إذا لم يكن المحصر مفسرا بالمريض ، لم يلزم عطف الشيء على نفسه ، فكان حمل المحصر على غير المريض يوجب خلو الكلام عن هذا الاستدلال ، فكان ذلك أولى . الحجة السادسة : قال تعالى في آخر الآية :
فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ
ولفظ الأمن إنما يستعمل في الخوف من العدو لا في المرض ، فإنه يقال في المرض : شفي وعفي ولا يقال أمن . فإن قيل : لا نسلم أن لفظ الأمن لا يستعمل إلا في الخوف ، فإنه يقال : أمن المريض من الهلاك وأيضا خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها . قلنا : لفظ الأمن إذا كان مطلقا غير مقيد فإنه لا يفيد إلا الأمن من العدو ، وقوله خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها . قلنا : بل يوجب لأن قوله :
فَإِذا أَمِنْتُمْ
ليس فيه بيان أنه حصل الأمن مما ذا ، فلا بد وأن يكون المراد حصول الأمن من شيء تقدم ذكره ، والذي تقدم ذكره هو الإحصار ، فصار التقدير : فإذا أمنتم من ذلك الإحصار ، ولما ثبت أن لفظ الأمن لا يطلق إلا في حق العدو ، وجب أن يكون المراد من هذا الإحصار منع العدو ، فثبت بهذه الدلائل أن الإحصار المذكور في الآية هو منع العدو فقط ، أما قول من قال : إنه منع المرض صاحبه خاصة فهو باطل بهذه الدلائل ، وفيه دليل آخر ، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن سبب نزول هذه الآية أن الكفار أحصروا النبي / صلى اللّه عليه وسلّم بالحديبية ، والناس وإن اختلفوا في أن الآية النازلة في سبب هل تتناول غير ذلك السبب ؟ إلا أنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يكون ذلك السبب خارجا عنه ، فلو كان الإحصار اسما لمنع المرض ، لكان سبب نزول الآية خارجا عنها ، وذلك باطل بالإجماع ، فثبت بما ذكرنا أن الإحصار في هذه الآية عبارة عن منع العدو ، وإذا ثبت هذا فنقول : لا يمكن قياس منع المرض عليه ، وبيانه من وجهين الأول : أن كلمة : إن ، شرط عند أهل اللغة ، وحكم الشرط انتفاء المشروط عن انتفائه ظاهرا ، فهذا يقتضي أن لا يثبت الحكم إلا في الإحصار الذي دلت الآية عليه ، فلو أثبتا هذا الحكم في غيره قياسا كان ذلك نسخا للنص بالقياس ، وهو غير جائز .