تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
أما قوله تعالى :
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
ففيه مسائل : المسألة الأولى : في الآية حذف لأن الرجل لا يتحلل ببلوغ الهدي محله بل لا يحصل التحلل إلا بالنحر فتقدير الآية : حتى يبلغ الهدي محله وينحر فإذا نحر فاحلقوا . المسألة الثانية : قال الشافعي رضي اللّه تعالى عنه : يجوز إراقة دم الإحصار لا في الحرم ، بل حيث حبس ، وقال أبو حنيفة رضي اللّه تعالى عنه : لا يجوز ذلك إلا في الحرم ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية ، فقال الشافعي رضي اللّه تعالى عنه : المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل ، وقال أبو حنيفة : إنه اسم للمكان . حجة الشافعي رضي اللّه تعالى عنه من وجوه الأول : إنه عليه الصلاة والسلام أحصر بالحديبية ونحر بها ، والحديبية ليست من الحرم ، قال أصحاب أبي حنيفة إنه إنما أحصر في طرف الحديبية الذي هو أسفل مكة ، وهو من الحرم ، قال الواقدي : الحديبية على طرف الحرم على تسعة أميال من مكة ، أجاب القفال رحمة اللّه في « تفسيره » عن هذا السؤال فقال الدليل على أن نحر ذلك الهدي ما وقع في الحرم قوله تعالى :
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
[ الفتح : 25 ] فبين تعالى أن الكفار منعوا النبي صلى اللّه عليه وسلّم عن إبلاغ الهدي محله الذي كان يريده فدل هذا على أنهم نحروا ذلك الهدي في غير الحرم . الحجة الثانية : أن المحصر سواء كان في الحل أو في الحرم فهو مأمور بنحر الهدي فوجب أن يتمكن في الحل والحرم من نحر الهدي . بيان المقام الأول : أن قوله :
فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ
يتناول كل من كان محصرا سواء كان في الحل / أو في الحرم ، وقوله بعد ذلك :
فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ
معناه فما استيسر من الهدي نحره واجب ، أو معناه فانحروا ما استيسر من الهدي ، وعلى التقديرين ثبت أن هذه الآية دالة على أن نحر الهدي واجب على المحصر سواء كان محصرا في الحل أو في الحرم ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون له الذبح في الحل والحرم ، لأن المكلف بالشيء أول درجاته أن يجوز له فعل المأمور به ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المحصر قادرا على إراقة الدم حيث أحصر . الحجة الثالثة : أن اللّه سبحانه إنما مكن المحصر من التحلل بالذبح ليتمكن من تخليص النفس عن خوف العدو في الحال ، فلو لم يجز النحر إلا في الحرم وما لم يحصل النحر لا يحصل التحلل بدلالة الآية ، فعلى هذا التقدير وجب أن لا يحصل التحلل في الحال ، وذلك يناقض ما هو المقصود من شرع هذا الحكم ، ولأن الموصل للنحر إلى الحرم إن كان هو فقد نفى الخوف ، وكيف يؤمن بهذا الفعل من قيام الخوف وإن كان غيره فقد لا يجد ذلك الغير فماذا يفعل ؟ حجة أبي حنيفة رضي اللّه عنه من وجوه الأول : أن المحل بكسر عين الفعل عبارة عن المكان ، كالمسجد والمجلس فقوله :
حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
يدل على أنه غير بالغ في الحال إلى مكان الحل ، وهو عندكم بالغ محله في الحال ، جوابه : المحل عبارة عن الزمان وأن من المشهور إن محل الدين هو وقت وجوبه الثاني : هب أن لفظ
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 305 | فخر الدين الرازي