متروك ، والشيء الثاني مطلوب وهما متغايران ، فأنت بعد خارج عن عالم الفردانية والوحدانية ، فأما إذا وصلت إلى برزخ عالم الحدوث والقدم ، فهناك تنقطع الحركات ، وتضمحل العلامات والأمارات ، ولم يبق في العقول والألباب إلا مجرد أنه هو ، فيا هو ويا من لا هو إلا هو أحسن إلى عبدك الضعيف ، فإن عبدك بفنائك ومسكينك ببابك .
المسألة السادسة : إن قيل : ما معنى إضافته بقوله :
وَإِلهُكُمْ
وهل تصح هذه الإضافة في كل الخلق أو لا تصح إلا في المكلف ؟ قلنا : لما كان الإله هو يستحق أن يكون معبوداً والذي يليق به أن يكون معبوداً بهذا الوصف ، إنما يتحقق بالنسبة إلى من يتصور منه عبادة اللّه تعالى ، فإذن هذه الإضافة صحيحة بالنسبة إلى كل المكلفين ، وإلى جميع من تصح صيرورته مكلفاً تقديراً .
المسألة السابعة : قوله :
وَإِلهُكُمْ
يدل على أن معنى الإله ما يصح أن تدخله الإضافة فلو كان معنى الإله القادر لصار المعنى وقادركم قادر واحد ومعلوم أنه ركيك فدل على أن الإله هو المعبود .
المسألة الثامنة : قوله :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
معناه أنه واحد في الإلهية ، لأن ورود لفظ الواحد بعد لفظ الإله يدل على أن تلك الوحدة معتبرة في الإلهية لا في غيرها ، فهو بمنزلة وصف الرجل بأنه سيد واحد ، وبأنه عالم واحد ، ولما قال :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول : هب أن إلهنا واحد ، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا ، فلا جرم أزال هذا الوهم ببيان التوحيد المطلق ، فقال :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
وذلك لأن قولنا : لا رجل يقتضي نفي هذه الماهية ، ومتى انتفت هذه الماهية انتفى جميع أفرادها ، إذ لو حصل فرد من أفراد تلك الماهية فمتى حصل ذلك الفرد ، فقد حصلت الماهية ، وذلك يناقض ما دل اللفظ عليه من انتفاء الماهية : فثبت أن قولنا : لا رجل يقتضي النفي العام الشامل ، فإذا قيل بعد : إلا زيداً ، أفاد التوحيد التام المحقق وفي هذه الكلمة أبحاث . أحدها : أن جماعة من النحويين قالوا : الكلام فيه حذف وإضمار والتقدير : لا إله لنا ، أو لا إله في الوجود إلا اللّه ، واعلم أن هذا الكلام غير مطابق للتوحيد الحق وذلك لأنك لو قلت : التقدير أنه لا إله لنا إلا اللّه ، لكان هذا توحيداً لإلهنا لا توحيد للإله المطلق ، فحينئذ لا يبقى بين قوله :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
وبين قوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
فرق ، فيكون ذلك تكراراً محضاً ، وأنه غير جائز ، وأما لو قلنا : التقدير لا إله في الوجود ، فذلك الإشكال زائل ، إلا أنه يعود الإشكال من وجه آخر ، وذلك لأنك إذا قلنا : لا إله في الوجود لا إله إلا هو ؛ كان هذا نفياً لوجود الإله الثاني ، أما لو لم يضمر هذا الإضمار كان قولك : لا إله إلا اللّه نفياً لماهية الإله الثاني ، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود ، فكان إجراء الكلام على ظاهره ، والإعراض عن هذا الإضمار أولى ، فإن قيل : نفي الماهية كيف يعقل ؟ فإنك إذا قلت السواد ليس بسواد ، كان ذلك حكماً بأن السواد ليس بسواد ، وهو غير معقول ، أما إذا قلت : السواد ليس بموجود ، فهذا معقول منتظم مستقيم ، قلنا : بنفي الماهية أمر لا بد منه ، فإنك إذا قلت : السواد ليس بموجود ، فقد نفيت الوجود ، والوجود من حيث هو وجود ماهية ، فإذا نفيته فقد نفيت هذه الماهية المسماة بالوجود ، فإذا عقل نفي هذه الماهية من حيث هي هي ، فلم لا يعقل نفي تلك الماهية أيضاً ، فإذا عقل ذلك صح اجراء قولنا : لا إله إلا اللّه على ظاهره ، من غير حاجة إلى الإضمار ، فإن قلت : إنا إذا قلنا السواد ليس بموجود ، فما نفيت الماهية وما نفيت الوجود ، ولكن نفيت موصوفية الماهية بالوجود ، قلت : فموصوفية الماهية بالوجود ، هل هي أمر منفصل