ثبوت الوحدة بالتفسير الأول أنه لو كان مركباً لافتقر تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه غيره ، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته واجب لغيره فهو مركب مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فما لا يكون كذلك استحال أن يكون مركباً ، فإذن حقيقته سبحانه حقيقة أحدية فردية لا كثرة فيها بوجه من الوجوه ، لا كثرة مقدارية ، كما تكون للأجسام ، ولا كثرة معنوية كما تكون للنوع المتركب من الفصل والجنس أو الشخص المتركب من الماهية والتشخص إلا أنه قد صعب ذلك على أقوام وذلك لأنه سبحانه عالم قادر حي مريد ، فالمفهوم من هذه الصفات إما هو نفس المفهوم من ذاته أوليس كذلك والأول باطل لوجوه . أحدها : أنه يمكننا أن نتعقل ذاته مع الذهول عن كل واحد من هذه الصفات ، وإن لم يمكن ذلك فلا شك أنه يمكننا تعقل كل واحد من هذه الصفات مع الذهول عن أن نتعقل ذاته المخصوصة بل هذا هو الواجب عند من يقول : أن ذاته المخصوصة غير معلومة ، وصفاته معلومة والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم ، فإذن هذه الصفات أمور زائدة على الذات . وثانيها : أن هذه الصفات لو كانت هي نفس الذات لكان قولنا في الذات : إنها عالمة أو ليست عالمة جارياً مجرى قولنا الذات ذات أو لا ذات ، ولا استحال أن يكون ذلك في البحث يحتمل أن يقام البرهان على نفيه وإثباته فإن من قال : الذات ذات علم كل أحد بالضرورة صدقه ومن قال : الذات ليست بذات علم كل أحد بالضرورة كذبه ، ولما كان قولنا : الذات عالمة أو ليست عالمة ليس بمثابة قولنا لذات ذات الذات ليست بذات علمنا أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات . وثالثها : أنه لو كان المرجع بهذه الصفات إلى ذاته فقط وذاته ليست إلا شيئاً واحداً لكان المرجع بهذه الصفات إلى شيء واحد ، فكان ينبغي أن تكون إقامة الدلالة على كونه قادراً تغني عن إقامة الدلالة على كونه عالماً ، وعلى كونه حياً ، فلما لم يكن كذلك بل افتقرنا في كل صفة إلى دليل خاص ، علمنا أنه ليس المرجع بها إلى الذات ، إذا ثبت أن هذه الصفات أمور زائدة على الذات ، فنقول : هذه الصفات إما أن تكون سلبية أو ثبوتية ، لا جائز أن تكون سلبية ، لأن السلب نفي محض ، والنفي المحض لا تخصص فيه ، ولأنا جعلنا كونه عالماً قادراً عبارة عن نفي الجهل والعجز ، فالجهل والعجز إما أن يكون المرجع بهما إلى العدم وأنه ليس بعالم ولا قادر ، أو يكون المرجع إلى أمر ثبوتي : وهو أن الجهل عبارة عن اعتقاد غير مطابق ، والعجز عبارة عن إخلال حال القدرة ، فإن كان الأول كان العلم والقدرة عبارة عن سلب السلب ، فيكون ثبوتياً ، وإن كان الثاني لم يلزم من انتفاء الجهل والعجز بهذا المعنى تحقق العلم والقدرة ، فإن الجماد قد انتفى عنه الجهل والعجز بهذا المعنى مع / أنه غير موصوف بالعلم والقدرة ، فثبت أن صفات اللّه تعالى أمور زائدة على ذاته قائمة بذاته ، والإله عبارة عن مجموع الذات والصفات ، فقد عاد القول إلى أن حقيقة الإله تعالى مركبة من أمور كثيرة ، فكيف القول فيه ؟
وإشكال آخر : وهو أنا قد دللنا على أن الوحدة صفة زائدة على الذات قائمة بالذات ، فإذا كانت حقيقة الحق واحدة ، فهناك أمور ثلاثة : تلك الحقيقة ، وتلك الواحدية وموصوفية تلك الحقيقة بتلك الواحدية ، فذلك ثالث ثلاثة ، فأين التوحيد ؟
وإشكال ثالث : وهو أن تلك الحقيقة هل هي موجودة وواجبة الوجود أم لا ؟ فإن كانت موجودة فهي بوجودها تشارك سائر الموجودات وبماهياتها تمتاز عن سائر الموجودات ، فهناك كثرة حاصلة بسبب الوجود والماهية ، وإن لم تكن موجودة فهذا إشارة إلى العدم وكذا القول في الوجوب ، فإنها إن كانت واجبة الوجود
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 146
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٤٦