تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
عن الماهية وعن الوجود أم لا ، فإن كانت منفصلة عنهما كان نفيها نفيا لتلك الماهية ، فالماهية من حيث هي هي أمكن نفيها ، وحينئذ يعود التقريب المذكور ، وإن لم تكن تلك الموصوفية أمرا منفصلا عنها استحال توجيه النفي إليها إلا بتوجيه النفي ، إما إلى الماهية وإما إلى الوجود ، وحينئذ يعود التقريب المذكور فثبت أن قولنا ، لا إله إلا هو حق وصدق من غير حاجة إلى الإضمار البتة . البحث الثاني : فيما يتعلق بهذه الكلمة أن تصور النفي متأخر عن تصور الإثبات ، فإنك ما لم تتصور الوجود أولا ، استحال أن تتصور العدم ، فإنك لا تتصور من العدم إلا ارتفاع الوجود . فتصور الوجود غني عن تصور العدم ، وتصور العدم مسبوق بتصور الوجود ، فإن كان الأمر كذلك فما السبب في قلب هذه القضية في هذه الكلمة حتى قدمنا النفي وأخرنا الإثبات . والجواب : أن الأمر في العقل على ما ذكرت ، إلا أن تقديم النفي على الإثبات كان لغرض إثبات التوحيد ونفي الشركاء والأنداد . البحث الثالث : في كلمة
هُوَ
اعلم أن المباحث اللفظية المتعلقة بهو قد تقدمت في
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أما الأسرار المعنوية فنقول ، اعلم أن الألفاظ على نوعين : مظهرة ومضمرة : أما المظهرة فهي الألفاظ الدالة على الماهيات المخصوصة من حيث هي هي ، كالسواد ، والبياض ، والحجر ، والإنسان ، وأما المضمرات فهي الألفاظ الدالة على شيء ما ، هو المتكلم ، والمخاطب ، والغائب ، من غير دلالة على ماهية ذلك المعين ، وهي ثلاثة : أنا ، وأنت ، وهو ، وأعرفها أنا ، ثم أنت ، ثم هو ، والدليل على صحة هذا الترتيب أن تصوري لنفسي من حيث أني أنا مما لا يتطرق إليه الاشتباه ، فإنه من المستحيل أن أصير مشتبها بغيري ، أو يشتبه بي غيري ، بخلاف أنت ، فإنك قد تشتبه بغيرك ، وغيرك يشتبه بك في عقلي وظني ، وأيضا فأنت أعرف من هو ، فالحاصل أن أشد المضمرات عرفانا أنا وأشدها بعدا عن العرفان . ( هو ) وأما ( أنت ) فكالمتوسط بينهما ، والتأمل التام يكشف عن صدق هذه القضية ، ومما يدل على أن أعرف الضمائر قولا قولي ( أنا ) أن المتكلم حصل له عند الانفراد لفظ يستوي فيه المذكر والمؤنث من غير فصل ، لأن الفصل إنما يحتاج إليه عند الخوف من الالتباس ، وهاهنا لا يمكن الالتباس ، فلا حاجة إلى الفصل ، وأما عند التثنية والجمع فاللفظ واحد ، أما في المتصل فكقولك : شربنا ، وأما المنفصل فقولك : نحن ، وإنما كان كذلك للأمن من اللبس ، وأما المخاطب فإنه فصل بين لفظ مؤنثه ومذكره ، ويثنى ويجمع ، لأنه قد يكون بحضرة المتكلم مؤنث ومذكر وهو مقبل عليهما ، فيخاطب أحدهما فلا يعرف حتى يبينه بعلامة : وتثنية المخاطب وجمعه إنما حسن لهذه العلة ، وأما إن الحاضر أعرف من الغائب فهذا أمر كالضروري ، إذا عرفت هذا فنقول : ظهر أن عرفان كل شيء بذاته أتم من عرفانه بغيره سواء كان حاضرا أو غائبا ؛ فالعرفان التام باللّه ليس إلا للّه : لأنه هو الذي يقول لنفسه ( أنا ) ولفظ ( أنا ) أعرف الأقسام الثلاثة ، فلما لم يكن لأحد أن يسير إلى تلك الحقيقة بالضمير الذي هو أعرف الضمائر وهو قول ( أنا ) إلا له سبحانه علمنا أن العرفان التام به سبحانه وتعالى ليس الإله . بقي أن هناك قوما يجوزون الاتحاد : الأرواح البشرية إذا استنارت بأنوار معرفة تلك الحقيقة اتحد العاقل بالمعقول وعند الاتحاد يصح لذلك العارف أن يقول : أنا اللّه إلا أن القول بالاتحاد غير معقول ، لأن حال الاتحاد إن فنيا أو أحدهما ، فذاك ليس باتحاد ، وإن بقيا فهما اثنان لا واحد ، / ولما انسد هذا الطريق الذي هو