تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
الآية أنهم ملعونون أيضاً بعد الممات . والجواب عنه : أن هذا إنما يصح متى كان الذين يموتون من غير توبة لا يكونون داخلين تحت الآية الأولى ، فأما إذا دخلوا تحت الأولى : استغنى عن ذكرهم فيجب حمل الكلام على أمر مستأنف . المسألة الثانية : لما ذكر في الكلام أنه إذا مات على كفره صار الوعيد لازماً من غير شرط ولما كان المعلق على الشرط عدماً عند عدم الشرط ؛ علمنا أن الكافر إذا تاب قبل الموت لم يكن حاله كذلك . المسألة الثالثة : إن قيل : كيف يلعنه الناس أجمعون ، وأهل دينه لا يلعنونه ؟ قلنا الجواب عنه من وجوه . أحدها : أن أهل دينه يلعنونه في الآخرة ، لقوله تعالى :
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
[ العنكبوت : 25 ] . وثانيها : قال قتادة والربيع : أراد بالناس أجمعين المؤمنين ، كأنه لم يعتد بغيرهم وحكم بأن المؤمنين هم الناس لا غير . وثالثها : أن كل أحد يلعن الجاهل والظالم لأن قبح ذلك مقرر في العقول ، فإذا كان هو في نفسه جاهلًا أو ظالماً وإن كان لا يعلم هو من نفسه كونه كذلك ، كانت لعنته على الجاهل والظالم تتناول نفسه عن السدي . ورابعها : أن يحمل وقوع اللعن على استحقاق اللعن ، وحينئذ يعم ذلك . المسألة الرابعة : قال أبو بكر الرازي في الآية دلالة على أن على المسلمين لعن من مات كافراً ، / وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنا لعنه والبراءة منه ، لأن قوله :
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
قد اقتضى أمرنا بلعنه بعد موته وهذا يدل على أن الكافر لو جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطاً للعنه والبراءة منه ، وكذلك السبيل فيما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح ، فإن موت من كان كذلك أو جنونه ، لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال به . المسألة الخامسة : القائلون بالموافاة احتجوا بهذه الآية فقالوا : علق تعالى وجوب لعنته بأن يموت على كفره فلو استحق ذلك قبل الموت لم يصح ذلك ، فعلمنا أن الكفر إنما يفيد استحقاق اللعن لو مات صاحبه عليه وكذا الإيمان إنما يفيد استحقاق المدح إذا مات صاحبه عليه . الجواب : الحكم المرتب على الذين ماتوا على الكفر مجموع أمور منها اللعن لو مات ، ومنها الخلود في النار ، وعندنا أن هذا المجموع وهو اللعن وحده ، لم قلتم : أنه لا يحصل إلا فيه . المسألة السادسة : القائلون بأن الكفر من الأسماء الشرعية ، وما بقي على الوضع الأصلي وهم المعتزلة احتجوا بقوله تعالى :
وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ
واللّه تعالى وصفهم حال موتهم بأنهم كفار ومعلوم أن الكفر بمعنى الستر والتغطية ، لا يبقى فيهم حال الموت ، لأن التغطية لا تحصل إلا في حق الحي الفاهم . المسألة السابعة : الآية تدل على جواز التخصيص مع التوكيد ، لأنه تعالى قال :
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
مع أنه مخصوص على مذهب من قال : المراد بالناس بعضهم . وأما قوله تعالى :
خالِدِينَ فِيها
ففيه مسائل : المسألة الأولى : الخلود اللزوم الطويل ، ومنه يقال : أخلد إلى كذا أي لزمه وركن إليه . المسألة الثانية : العامل في
خالِدِينَ
الظرف من قوله ( عليهم ) لأن فيه معنى الاستقرار للعنة فهو حال من