الدلائل الشرعية . وثالثها : ما
أخرج في الصحيحين عن قتادة عن أنس عن زيد بن ثابت قال تسحرنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ثم قمنا إلى الصلاة ، قال قلت : كم كان قدر ذلك ، قال : قدر خمسين آية ،
وهذا يدل أيضاً على التغليس . وثالثها : ما
روي عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم غلس بالصبح ، ثم أسفر مرة ، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضة اللّه تعالى .
ورابعها : أنه تعالى مدح المستغفرين بالأسحار فقال :
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
[ آل عمران : 17 ] ومدح التاركين للنوم فقال :
تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً
[ السجدة : 16 ] وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ترك النوم بأداء الفرائض أفضل
لقوله عليه السلام حكاية عن اللّه : « لن يتقرب المتقربون إلى بمثل أداء ما افترضت عليهم »
وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون التغليس أفضل . وخامسها : أن النوم في ذلك الوقت أطيب ، فيكون تركه أشق ، / فوجب أن يكون ثوابه أكثر ،
لقوله عليه السلام : « أفضل العبادات أحمزها »
أي أشقها ، واحتج أبو حنيفة بوجوه . أحدها :
قوله عليه السلام : « أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر » .
وثانيها :
روى عبد اللّه بن مسعود أنه صلى الفجر بالمزدلفة فغلس ، ثم قال ابن مسعود : ما رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم صلى صلوات إلا لميقاتها إلا صلاة الفجر ، فإنه صلاها يومئذ لغير ميقاتها .
وثالثها : عن ابن مسعود قال : ما رأيت أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر . ورابعها : عن أبي بكر رضي اللّه عنه أنه صلى الفجر فقرأ آل عمران ، فقالوا : كادت الشمس أن تطلع ، فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين ، وعن عمر أنه قرأ البقرة فاستشرقوا الشمس ، فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين . وخامسها : أن تأخير الصلاة يشتمل على فضيلة الانتظار ،
وقال عليه السلام : « المنتظر للصلاة كمن هو في الصلاة »
فمن أخر الصلاة عن أول وقتها فقد انتظر الصلاة أولًا ثم بها ثانياً ومن صلاها في أول الوقت فقد فاته فضل الانتظار . وسادسها : أن التأخير يفضى إلى كثرة الجماعة فوجب أن يكون أولى تحصيلًا لفضل الجماعة . وسابعها : أن التغليس يضيق على الناس ، لأنه إذا كان الصلاة في وقت الغليس احتاج الإنسان إلى أن يتوضأ بالليل حتى يتفرغ للصلاة بعد طلوع الفجر ، والحرج منفي شرعاً . وثامنها : أنه تكره الصلاة بعد صلاة الفجر فإذا صلى وقت الإسفار فإنه يقل وقت الكراهة ، وإذا صلى بالتغليس فإنه يكثر وقت الكراهة .
والجواب عن الأول : أن الفجر اسم للنور الذي ينفي به ظلام المشرق ، فالفجر إنما يكون فجراً لو كانت الظلمة باقية في الهواء ، فأما إذا زالت الظلمة بالكلية واستنار الهواء لم يكن ذلك فجراً ، وأما الإسفار فهو عبارة عن الظهور ، يقال : أسفرت المرأة عن وجهها إذا كشفت عنه ، إذا ثبت هذا فنقول : ظهور الفجر إنما يكون عند بقاء الظلام في الهواء ، فإن الظلام كلما كان أشد كان النور الذي يظهر فيما بين ذلك الظلام أشد ،
فقوله : « أسفروا بالفجر »
يجب أن يكون محمولًا على التغليس ، أي كلما وقعت صلاتكم حين كان الفجر أظهر وأبهر كان أكثر ثواباً ، وقد بينا أن ذلك لا يكون إلا في أول الفجر ، وهذا معنى قول الشافعي رضي اللّه عنه أن الإسفار المذكور في الحديث محمول على تيقن طلوع الفجر وزوال الشك عنه ، والذي يدل على ما قلنا أن أداء الصلاة في ذلك الوقت أشق ، فوجب أن يكون أكثر ثواباً ، وأما تأخير الصلاة إلى وقت التنوير فهو عادة أهل الكسل ، فكيف يمكن أن يقول الشارع : إن الكسل أفضل من الجد في الطاعة .
والجواب عن الثاني : وهو قول ابن مسعود : حافظوا على التنوير بالفجر ، فجوابه هذا الذي قررناه لأن