تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
السادس عشر : قوله عليه السلام في خطبة له : « وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشتغلوا » ولا شك أن الصلاة من الأعمال الصالحة . السابع عشر : أن تعجيل حقوق الآدميين أفضل من تأخيرها ، فوجب أن يكون الحال في أداء حقوق اللّه تعالى كذلك ، والجامع بينهما رعاية معنى التعظيم . الثامن عشر : أن المبادرة والمسارعة إلى الصلاة إظهار للحرص على الطاعة ، والولوع بها ، والرغبة فيها وفي التأخير كسل عنها ، فيكون الأول أولى . التاسع عشر : أن الاحتياط في تعجيل الصلاة لأنه إذا أداها في أول الوقت تفرغت ذمته ، فإذا أخر فربما عرض له شغل فمنعه عن أدائها فيبقى الواجب في ذمته ، فالوجه الذي يحصل فيه الاحتياط لا شك أنه أولى . العشرون : أجمعنا في صوم رمضان أن تعجيله أفضل من تأخيره وذلك لأن المريض يجوز له أن يفطر ويؤخر الصوم ، ويجوز له أن يعجل ويصوم في الحال ، ثم أجمعنا على أن التعجيل في الصوم أفضل على ما قال :
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ
[ البقرة : 184 ] فوجب أيضاً أن يكون التعجيل في الصلاة أولى فإن قيل : تنتقض هذه الدلائل القياسية بالظهر في شدة الحر ، أو بما إذا حصل له رجاء إدراك / الجماعة أو وجود الماء قلنا : التأخير ثبت في هذه المواضع لأمور عارضة ، وكلامنا في مقتضى الأصل . الحادي والعشرون : المسارعة إلى الامتثال أحسن في العرف من ترك المسارعة ، فوجب أن يكون في الشرع كذلك لقوله عليه السلام : « ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن » . الثاني والعشرون : صلاة كملت شرائطها فوجب أداؤها في أول الوقت ، كالمغرب ففيه احتراز عن الظهر في شدة الحر ، لأنه إنما يستحب التأخير إذا أراد أن يصليها في المسجد لأجل أن المشي إلى المسجد في شدة الحر كالمانع ، أما إذا صلاها في داره فالتعجيل أفضل ، وفيه احتراز عمن يدافع الأخبثين أو حضره الطعام وبه جوع لهذا المعنى أيضاً ، وكذلك المتيمم إذا كان على ثقة من وجود الماء ، وكذلك إذا توقع حضور الجماعة فإن الكمال لم يحصل في هذه الصورة ، فهذه هي الأدلة الدالة على أن المسارعة أفضل ، ولنذكر كل واحد من الصلوات : أما صلاة الفجر فقال محمد : المستحب أن يدخل فيها بالتغليس ، ويخرج منها بالإسفار ، فإن أراد الاقتصار على أحد الوقتين فالإسفار أفضل ، وقال الشافعي رضي اللّه عنه : التغليس أفضل ، وهو مذهب أبي بكر وعمر وبه قال مالك وأحمد ، واحتج الشافعي رضي اللّه عنه بعد الدلائل السالفة بوجوه . أحدها : ما أخرج في الصحيحين برواية عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ليصلي الصبح فينصرف والنساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس » قال محيي السنة في كتاب « شرح السنة » : متلفعات بمروطهن أي متجللات بأكسيتهن ، والتلفع بالثوب الاشتمال ، والمروط : الأردية الواسعة ، واحدها مرط ، والغلس : ظلمة آخر الليل ، فإن قيل : كان هذا في ابتداء الإسلام حين كان النساء يحضرن الجماعات ، فكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يصلي بالغلس كيلا يعرفن ، وهكذا كان عمر رضي اللّه عنه يصلي بالغلس ، ثم لما نهين عن الحضور في الجماعات ترك ذلك قلنا : الأصل المرجوع إليه في إثبات جميع الأحكام عدم النسخ ، ولولا هذا الأصل لما جاز الاستدلال بشيء من
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 116 | فخر الدين الرازي