قوله تعالى :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
[ آل عمران : 133 ] والمعنى : وسارعوا إلى ما يوجب المغفرة ، ولا شك أن الصلاة كذلك ، فكانت المسارعة بها مأمورة . وخامسها : أنه مدح الأنبياء المتقدمين بقوله تعالى :
إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
[ الأنبياء : 90 ] ولا شك أن الصلاة من الخيرات ،
لقوله عليه السلام : « خير أعمالكم الصلاة » .
وسادسها : أنه تعالى ذم إبليس في ترك المسارعة فقال :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ
[ الأعراف : 12 ] وهذا يدل على أن ترك المسارعة موجب للذم . وسابعها : قوله تعالى :
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ
[ البقرة : 238 ] والمحافظة لا تحصل إلا بالتعجيل ، ليأمن الفوت بالنسيان وسائر الأشغال . وثامنها :
قوله تعالى : حكاية عن موسى عليه السلام :
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
[ طه : 84 ] فثبت أن الاستعجال أولى . وتاسعها : قوله تعالى :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا
[ الحديد : 10 ] فبين أن المسابقة سبب لمزيد الفضيلة فكذا في هذه الصورة . وعاشرها :
ما
روى عمر وجرير بن عبد اللَّه وأنس وأبو محذورة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الصلاة في أول الوقت رضوان اللّه وفي آخره عفو اللّه »
قال الصديق رضي اللّه عنه : رضوان اللّه أحب إلينا من عفوه . قال الشافعي رضي اللّه عنه :
رضوان اللّه إنما يكون للمحسنين والعفو يوشك أن يكون عن المقصرين فإن قيل هذا احتجاج في غير موضعه لأنه يقتضي أن يأثم بالتأخير ، وأجمعنا على أنه لا يأثم فلم يبق إلا أن يكون معناه أن الفعل في آخر الوقت يوجب العفو عن السيئات السابقة ، وما كان كذلك فلا شك أنه يوجب رضوان اللّه ، فكان التأخير موجباً للعفو والرضوان ، والتقديم موجباً للرضوان دون العفو فكان التأخير أولى قلنا : هذا ضعيف من وجوه . الأول : أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون / تأخير المغرب أفضل وذلك لم يقله أحد . الثاني : أنه عدم المسارعة الامتثال يشبه عدم الالتفات ، وذلك يقتضي العقاب ، إلا أنه لما أتى بالفعل بعد ذلك سقط ذلك الاقتضاء . الثالث : أن تفسير أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه يبطل هذا التأويل الذي ذكروه .
الحادي عشر :
روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « يا علي ثلاث لا تؤخرها : الصلاة إذا أتت ، والجنازة إذا حضرت ، والأيم إذا وجدت لها كفؤا » .
الثاني عشر :
روي عن ابن مسعود أنه سأل الرسول صلى اللّه عليه وسلّم فقال : أي الأعمال أفضل ؟ فقال : الصلاة لميقاتها الأول .
الثالث عشر :
روي عن أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن الرجل ليصلي الصلاة وقد فاته من أول الوقت ما هو خير له من أهله وماله » .
الرابع عشر :
قال عليه السلام : « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة »
فمن كان أسبق في الطاعة كان هو الذي سن عمل الطاعة في ذلك الوقت ، فوجب أن يكون ثوابه أكثر من ثواب المتأخر .
الخامس عشر : إنا توافقنا على أن أحد أسباب الفضيلة فيما بين الصحابة المسابقة إلى الإسلام حتى وقع الخلاف الشديد بين أهل السنة وغيرهم أن أبا بكر أسبق إسلاماً أم علياً ، وما ذاك إلا اتفاقهم على أن المسابقة في الطاعة توجب مزيد الفضل وذلك يدل على قولنا .