تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
لأن عارض الاجتهاد لا يبطل السابق ، فكذلك فيمن صدق مخبراً ، ثم جاء آخر نفسه إليه أسكن فأخبره بخلافه ، فهذا ما يتعلق بالمسائل المستنبطة من هذه الآية في حكم الاستقبال واللّه أعلم . / قوله تعالى :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
فيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا ليس بتكرار ، وبيانه من وجهين . أحدهما : أن قوله تعالى :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
خطاب مع الرسول عليه السلام لا مع الأمة ، وقوله :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
خطاب مع الكل . وثانيها : أن المراد بالأولى مخاطبتهم وهم بالمدينة خاصة ، وقد كان من الجائز لو وقع الاختصار عليه أن يظن أن هذه القبلة قبلة لأهل المدينة خاصة ، فبين اللّه تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن يستقبلوا نحو هذه القبلة . المسألة الثانية : قوله :
وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
يعنى : وأينما كنتم وموضع ( كنتم ) من الإعراب جزم بالشرط كأنه قيل : حيثما تكونوا ، والفاء جواب . أما قوله تعالى :
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
ففيه مسألتان : المسألة الأولى : المراد بقوله :
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
اليهود خاصة ، والكتاب هو التوراة عن السدي ، وقيل : بل المراد أحبار اليهود وعلماء النصارى وهو الصحيح لعموم اللفظ والكتاب المتقدم هو التوراة والإنجيل ، ولا بد أن يكونوا عدداً قليلًا لأن الكثير لا يجوز عليهم التواطؤ على الكتمان . المسألة الثانية : الضمير في قوله :
أَنَّهُ الْحَقُّ
راجع إلى مذكور سابق ، وقد تقدم ذكر الرسول كما تقدم ذكر القبلة ، فجاز أن يكون المراد أن القوم يعلمون أن الرسول مع شرعه ونبوته حق فيشتمل ذلك على أمر القبلة وغيرها ، ويحتمل أن يرجع إلى هذا التكليف الخاص بالقبلة ، وأنهم يعلمون أنه الحق ، وهذا الاحتمال الأخير أقرب لأنه أليق بالكلام إذ المقصود بالآية ذلك دون غيره ، ثم اختلفوا في أنهم كيف عرفوا ذلك ؟ وذكروا فيه وجوهاً . أحدها : أن قوماً من علماء اليهود كانوا عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وخبر القبلة وأنه يصلي إلى القبلتين . وثانيها : أنهم كانوا يعلمون أن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله اللّه تعالى قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام . وثالثها : أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلّم لما ظهر عليه من المعجزات ، ومتى علموا نبوته فقد علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو حق فكان هذا التحويل حقاً . وأما قوله :
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
ففيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ ابن عمار وحمزة والكسائي : تعملون بالتاء على الخطاب للمسلمين ، والباقون بالياء على أنه راجع إلى اليهود . المسألة الثانية : إنا إن جعلناه خطاباً للمسلمين فهو وعد لهم وبشارة أي لا يخفي على جدكم واجتهادهم في قبول الدين ، فلا أخل بثوابكم ، وإن جعلناه كلاماً مع اليهود فهو وعيد وتهديد لهم ، ويحتمل أيضاً أنه ليس بغافل عن مكافأتهم ومجازاتهم وإن لم يجعلها لهم كقوله تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ / اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
[ إبراهيم : 42 ]