تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
بيقين ، فهذه هي الوجوه الممكنة ، أما سقوط الصلاة عنه فذلك باطل بالإجماع ، وأيضاً فلأنا رأينا في الشرع في الجملة أن الصلاة صحت بدون الاستقبال كما في حال المسايفة وفي النافلة ، وأما إيجاب الصلاة إلى جميع الجهات فهو أيضاً باطل لقيام الدلالة على أن الواجب عليه صلاة واحدة ، ولقائل أن يقول : أليس أن من نسي صلاة من صلوات يوم وليلة ولا يدري عينها فإنها يجب عليه قضاء تلك الصلوات بأسرها ليخرج عن العهدة باليقين ، فلم لا يجوز أن يكون الأمر هاهنا كذلك ؟ قالوا : ولما بطل القسمان تعين الثالث وهو التخيير في جميع الجهات . البحث الثاني : أنه إذا مال قبله إلى أن هذه الجهة أولى بأن تكون قبلة من سائر الجهات ، من غير أن يكون ذلك الترجيح مبنياً على الاستدلال ، بل يحصل ذلك بمجرد التشهي وميل القلب إليه فهل يعد هذا اجتهاداً ، وهل المكلف مكلف بأن يعول عليه أم لا ؟ الأولى أن يكون ذلك معتبراً لقوله عليه السلام : « المؤمن ينظر بنور اللّه » ولأن سائر وجوه الترجيح لما انسدت وجب الاكتفاء بهذا القدر . البحث الثالث : إذا أدى هذه الصلاة فالظاهر يقتضي أن لا يجب القضاء ، لأنه أدى وظيفة الوقت وقد صحت منه ، فوجب أن لا تجب عليه الإعادة ، وظاهر قول الشافعي رضي اللّه عنه أنه تجب الإعادة سواء بأن صوابه أو خطؤه . / المسألة السابعة : تجوز الصلاة في جوف الكعبة عند عامة أهل العلم ، ويتوجه إلى أي جانب شاء وقال مالك : يكره أن يصلى في الكعبة المكتوبة لأن من كان داخل الكعبة لا يكون متوجهاً إلى كل الكعبة ، بل يكون متوجهاً إلى بعض أجزائها ، ومستدبراً عن بعض أجزائها ، وإذا كان كذلك لم يكن مستقبلًا لكل الكعبة فوجب أن لا تصح صلاته لأن اللّه تعالى أمر باستقبال البيت قال : وأما النافلة فجائزة ، لأن استقبال القبلة فيها غير واجب ، حجة الجمهور ما أخرجه الشيخان في الصحيحين ، ورواه الشافعي رضي اللّه عنه أيضاً عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، أنه عليه الصلاة والسلام دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد ، وعثمان بن أبي طلحة وبلال فأغلقها عليه ومكث فيها ، قال عبد اللَّه بن عمر : فسألت بلالًا حين خرج : ماذا صنع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ؟ فقال : جعل عموداً عن يساره ، وعمودين عن يمينه ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ، ثم صلى ، واعلم أن الاستدلال بهذا الخبر ضعيف من وجوه . أحدها : أن خبر الواحد لا يعارض ظاهر القرآن . وثانيها : لعل تلك الصلاة كانت نافلة ، وذلك عند مالك جائز . وثالثها : أن مالكاً خالف هذا الخبر ومخالفة الراوي وإن كانت لا توجب الطعن في الخبر إلا أنها تفيد نوع مرجوحية بالنسبة إلى خبر واحد خلى عن هذا الطعن ، فكيف بالنسبة إلى القرآن . ورابعها : أن الشيخين أوردا في الصحيحين عن ابن جريح عن عطاء : سمعت ابن عباس قال : لما دخل النبي صلى اللّه عليه وسلّم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه ، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال : « هذه القبلة » والتعارض حاصل من وجهين . الأول : أن النفي والإثبات يتعارضان . والثاني : قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « هذه القبلة » يدل على أنه لا بد من توجه ذلك الموضع ومن جوز الصلاة داخل البيت لا يوجب عليه استقبال ذلك الموضع بل جوز استدباره . والجواب : عن استدلال مالك رحمه اللّه أن نقول قوله : ( وحيثما كنتم ) إما أن يكون صيغة عموم أو لا يكون فإن كان صيغة عموم فقد تناول الإنسان الذي يكون في البيت فكأنه تعالى أمر من كان في البيت أن يتوجه إليه ، فالآتي به يكون خارجاً عن العهدة ، وإن لم يكن صيغة عموم لم تكن الآية متناولة