تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
خبر اللّه الصدق كذباً وعلمه جهلًا وهو محال ، ومستلزم المحال محال ، فكان ذلك محالًا وقد أمروا به فقد أمروا بالمحال وتمام القول فيه مذكور في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[ البقرة : 6 ] . المسألة الرابعة : إنما حكم اللّه تعالى عليهم بأنهم لا يرجعون عن أباطيلهم بسبب البرهان ، وذلك لأن إعراضهم عن قبول هذا الدين ليس عن شبهة يزيلها بإيراد الحجة ، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد ، وذلك لا يزول بإيراد الدلائل . المسألة الخامسة : اختلفوا في قوله :
ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
قال الحسن والجبائي : أراد جميعهم ، كأنه قال : لا يجتمعون على اتباع قبلتك ، على نحو قوله :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى
[ الأنعام : 35 ] وقال الأصم وغيره : بل المراد أن أحداً منهم لا يؤمن ، قال القاضي : إن أريد بأهل الكتاب كلهم العلماء منهم والعوام فلا بد من تأويل الحسن ، وإن أريد به العلماء نظرنا فإن كان في علمائهم المخاطبين بهذه الآية من قد آمن وجب أيضاً ذلك التأويل ، وإن لم يكن فيهم من قد آمن صح إجراؤه على ظاهره في رجوع النفي إلى كل واحد منهم ، لأن ذلك أليق بالظاهر إذ لا فرق بين قوله :
ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
وبين قوله : ما تبع أحد منهم قبلتك . المسألة السادسة : « لئن » بمعنى « لو » وأجيب بجواب لو وللعلماء فيه خلاف فقيل : إنهما لما تقاربا استعمل كل واحد منهما مكان الآخر ، وأجيب بجوابه نظيره قوله تعالى :
وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً
[ الروم : 51 ] ثم قال :
لَظَلُّوا
على جواب : « لو » وقال :
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا
[ البقرة : 103 ] ثم قال :
لَمَثُوبَةٌ
على جواب :
لَئِنْ
وذلك أن أصل « لو » للماضي « ولئن » للمستقبل هذا قول الأخفش وقال سيبويه : إن كل واحدة منهما على موضعها ، وإنما الحق في الجواب هذا التداخل لدلالة اللام على معنى القسم ، فجاء الجواب كجواب القسم . المسألة السابعة : الآية : وزنها فعلة أصلها : أية ، فاستثقلوا التشديد في الآية فأبدلوا من الياء الأولى ألفاً لانفتاح ما قبلها ، والآية الحجة والعلامة ، وآية الرجل : شخصه ، وخرج القوم / بآيتهم جماعتهم ، وسميت آية القرآن بذلك لأنها جماعة حروف . وقيل : لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها . وقيل : لأنها دالة على انقطاعها عن المخلوقين ، وأنها ليست إلا من كلام اللّه تعالى . المسألة الثامنة : روي أن يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للرسول صلى اللّه عليه وسلّم : ائتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك فأنزل اللّه تعالى هذه الآية والأقرب أن هذه الآية ما نزلت في واقعة مبتدأة بل هي من بقية أحكام تحويل القبلة . أما قوله تعالى :
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ
ففيه أقوال . الأول : أنه دفع لتجويز النسخ ، وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة . والثاني : حسماً لأطماع أهل الكتاب فإنهم قالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره ، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم . الثالث : المقابلة يعني ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك . الرابع : أراد أنه لا يجب عليك استصلاحهم باتباع قبلتهم ، لأن ذلك معصية . الخامس : وما أنت بتابع قبلة جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأن قبلة اليهود مخالفة لقبلة النصارى ، فلليهود بيت المقدس وللنصارى المشرق ، فالزم قبلتك ودع أقوالهم .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 108 | فخر الدين الرازي