والرحيم ، ومالك يوم الدين ، وللعبد أحوال ثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل : أما الماضي فقد كان معدوماً محضاً كما قال تعالى :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
[ مريم : 9 ] وكان ميتاً فأحياه اللّه تعالى كما قال :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
[ البقرة : 28 ] وكان جاهلًا فعلمه اللّه كما قال :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
[ النحل : 78 ] والعبد إنما انتقل من العدم إلى الوجود ومن الموت إلى الحياة ومن العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى العلم لأجل أن اللّه تعالى كان قديماً أزلياً ، فبقدرته الأزلية وعلمه الأزلي أحدثه ونقله من العدم إلى الوجود فهو إله لهذا المعنى ، وأما الحال الحاضرة للعبد فحاجته شديدة لأنه كلما كان معدوماً كان محتاجاً إلى الرب الرحمن الرحيم ، أما لما دخل في الوجود انفتحت عليه أبواب الحاجات وحصلت عند أسباب الضرورات ، فقال اللّه تعالى : أنا إله لأجل أني أخرجتك من العدم إلى الوجود . أما بعد أن أصرت موجوداً فقد كثرت حاجاتك إليّ فأنا رب رحمن رحيم ، وأما الحال المستقبلة للعبد فهي حال ما بعد الموت والصفة المتعلقة بتلك الحالة هي قوله مالك يوم الدين ، فصارت هذه الصفات الخمس من صفات اللّه تعالى متعلقة بهذه الأحوال الثلاثة للعبد فظهر أن جميع مصالح العبد في الماضي والحاضر والمستقبل لا يتم ولا يكمل إلا باللّه وفضله وإحسانه ، فلما كان الأمر كذلك وجب أن لا يشتغل العبد بعبادة شيء إلا بعبادة اللّه تعالى ، فلا جرم قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين على سبيل الحصر .
الوجه الثالث : في دليل هذا الحصر ، وهو أنه قد دل الدليل القاطع على وجوب كونه تعالى قادراً عالماً محسناً جواداً كريماً حليماً ، وأما كون غيره كذلك فمشكوك فيه ، لأنه لا أثر يضاف إلى الطبع والفلك والكواكب والعقل والنفس إلا ويحتمل إضافته إلى قدرة اللّه تعالى ، ومع هذا الاحتمال صار ذلك الانتساب مشكوكاً فيه ، فثبت أن العلم بكون الإله تعالى معبوداً للخلق أمر يقيني ، وأما كون غيره معبوداً للخلق فهو أمر مشكوك فيه ، والأخذ باليقين أولى من الأخذ بالشك ، فوجب طرح المشكوك والأخذ بالمعلوم وعلى هذا لا معبود إلا اللّه تعالى فلهذا المعنى قال :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
. الوجه الرابع : أن العبودية ذلة ومهانة إلا / أنه كلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية به أهنأ وأمرأ ، ولما كان اللّه تعالى أشرف الموجودات وأعلاها فكانت عبوديته أولى من عبودية غيره ، وأيضاً قدرة اللّه تعالى أعلى من قدرة غيره وعلمه أكمل من علم غيره وجوده أفضل من جود غيره ، فوجب القطع بأن عبوديته أولى من عبودية غيره ، فلهذا السبب قال إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه الخامس : أن كل ما سوى الواجب لذاته يكون ممكناً لذاته وكل ما كان ممكناً لذاته كان محتاجاً فقيراً والمحتاج مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه القيام بدفع الحاجة عن الغير ، والشيء ما لم يكن غنياً في ذاته لم يقدر على دفع الحاجة عن غيره والغني لذاته هو اللّه تعالى فدافع الحاجات هو اللّه تعالى ، فمستحق العبادات هو اللّه تعالى ، فلهذا السبب قال : إياك نعبد وإياك نستعين . الوجه السادس : استحقاق العبادة يستدعي قدرة اللّه تعالى بأن يمسك سماء بلا علاقة ، وأرضاً بلا دعامة ، ويسير الشمس والقمر ، ويسكن القطبين ، ويخرج من السحاب تارة النار وهو البرق ، وتارة الهواء وهي الريح ، وتارة الماء وهو المطر ، وأما في الأرض فتارة يخرج الماء من الحجر وهو ظاهر ، وتارة يخرج الحجر من الماء وهو الجمد ، ثم جعل في الأرض أجساماً مقيمة لا تسافر وهي الجبال ، وأجساماً مسافرة لا تقيم وهي الأنهار ، وخسف بقارون فجعل الأرض فوقه ، ورفع محمداً عليه الصلاة والسلام فجعل قاب قوسين تحته ، وجعل الماء ناراً على قوم فرعون أغرقوا فأدخلوا ناراً ، وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم ، ورفع موسى فوق الطور ، وقال له :
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
[ طه : 12 ] ورفع الطور على موسى