القيامة كالأمر القائم في الحال الحاصل في الحال ، وأيضاً من مات فقد قامت قيامته فكانت القيامة حاصلة في الحال فزال السؤال .
الفائدة الرابعة : أنه تعالى ذكر في هذه السورة من أسماء نفسه خمسة : اللّه ، والرب ، والرحمن / والرحيم ، والمالك . والسبب فيه كأنه يقول : خلقتك أولًا فأنا إله . ثم ربيتك بوجوه النعم فأنا رب ، ثم عصيت فسترت عليك فأنا رحمن ، ثم تبت فغفرت لك فأنا رحيم ، ثم لا بدّ من إيصال الجزاء إليك فأنا مالك يوم الدين .
فإن قيل : إنه تعالى ذكر الرحمن الرحيم في التسمية مرة واحدة ، وفي السورة مرة ثانية فالتكرير فيهما حاصل وغير حاصل في الأسماء الثلاثة فما الحكمة ؟ .
قلنا : التقدير كأنه قيل : أذكر أني إله ورب مرة واحدة ، وأذكر أني رحمن رحيم مرتين لتعلم أن العناية بالرحمة أكثر منها بسائر الأمور ، ثم لما بين الرحمة المضاعفة فكأنه قال : لا تغتروا بذلك فإني مالك يوم الدين ، ونظيره قوله تعالى :
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
[ غافر : 3 ] .
الفائدة الخامسة : قالت القدرية : إن كان خالق أعمال العباد هو اللّه امتنع القول بالثواب والعقاب والجزاء ، لأن ثواب الرجل على ما لم يعمله عبث ، وعقابه على ما لم يعمله ظلم ، وعلى هذا التقدير فيبطل كونه مالكاً ليوم الدين ، وقالت الجبرية : لو لم تكن أعمال العباد بتقدير اللّه وترجيحه لم يكن مالكاً لها ، ولما أجمع المسلمون على كونه مالكاً للعباد ولأعمالهم ، علمنا أنه خالق لها مقدر لها ، واللّه أعلم .
الفصل الخامس في تفسير قوله إياك نعبد وإياك نستعين
وفيه فوائد معنى قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
:
الفائدة الأولى : [ معنى قوله : إياك نعبد وإياك نستعين ] العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير ، وهو مأخوذ من قولهم : طريق معبد ، أي مذلل ، واعلم أن قولك إياك نعبد معناه لا أعبد أحداً سواك ، والذي يدل على هذا الحصر وجوه :
الأول : أن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم ، وهي لا تليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام ، وأعظم وجوه الإنعام الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع وخلق المنتفع به ، فالمرتبة الأولى - وهي الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع - وإليها الإشارة بقوله تعالى :
وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً
[ مريم : 9 ] وقوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
[ البقرة : 28 ] - الآية والمرتبة الثانية - وهي خلق المنتفع به - وإليها الإشارة بقوله تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
ولما كانت المصالح الحاصلة في هذا العالم السفلي إنما / تنتظم بالحركات الفلكية على سبيل إجراء العادة لا جرم أتبعه بقوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ البقرة : 29 ] فثبت بما ذكرنا أن كل النعم حاصل بإيجاد اللّه تعالى ، فوجب أن لا تحسن العبادة إلا للّه تعالى ، فلهذا المعنى قال إياك نعبد ، فإن قوله إياك نعبد يفيد الحصر . الوجه الثاني : في دلائل هذا الحصر والتعيين : وذلك لأنه تعالى سمى نفسه هاهنا بخمسة أسماء : اللّه ، والرب ، والرحمن ،