تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
هذا فنقول : إنما قدم قوله إياك على قوله نعبد ليكون مستغرقاً في مشاهدة نور جلال إياك ، ومتى كان الأمر كذلك كان في وقت أداء العبادة مستقراً في عين الفردوس ، كما قال تعالى : لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً . وسابعها : لو قيل نعبدك لم يفد نفي عبادتهم لغيره ، لأنه لا امتناع في أن يعبدوا اللّه ويعبدوا غير اللّه كما هو دأب المشركين أما لما قال إياك نعبد أفاد أنهم يعبدونهم ولا يعبدون غير اللّه . وثامنها : أن هذه النون نون العظمة ، فكأنه قيل له متى كنت خارج الصلاة فلا تقل نحن ولو كنت في ألف ألف من العبيد ، أما لما اشتغلت بالصلاة وأظهرت العبودية لنا فقل نعبد ليظهر للكل أن كل من كان عبداً لنا كان ملك الدنيا والآخرة . وتاسعها : لو قال إياك أعبد لكان ذلك تكبراً ومعناه أني أنا العابد أما لما قال إياك نعبد كان معناه أني واحد من عبيدك ، فالأول تكبر ، والثاني تواضع ، ومن تواضع للّه رفعه اللّه ، ومن تكبر وضعه اللّه . فإن قال قائل : جميع ما ذكرتم قائم في قوله الحمد للّه مع أنه قدم فيه ذكر الحمد على ذكر اللّه . فالجواب أن قوله الحمد يحتمل أن يكون للّه ولغير اللّه فإذا قلت للّه فقد تقيد الحمد بأن يكون للّه أما لو قدم قوله « نعبد » احتمل أن يكون للّه واحتمل أن يكون لغير اللّه وذلك كفر ، والنكتة أن الحمد لما جاز لغير اللّه في ظاهر الأمر كما جاز للّه ، لا جرم حسن تقدم الحمد أما هاهنا فالعبادة لما لم تجز لغير اللّه لا جرم قدم قوله إياك على نعبد ، فتعين الصرف للعبادة فلا يبقى في الكلام احتمال أن تقع العبادة لغير اللّه . الفائدة الرابعة : لقائل أن يقول : النون في قوله نعبد أما أن تكون نون الجمع أو نون التعظيم ، والأول : باطل ، لأن الشخص الواحد لا يكون جمعاً ، والثاني : باطل لأن عند أداء العبادة ، فاللائق بالإنسان أن يذكر نفسه بالعجز والذلة لا بالعظمة والرفعة . واعلم أنه يمكن الجواب عنه من وجوه ، كل واحد من تلك الوجوه يدل على حكمة بالغة : فالوجه الأول : أن المراد من هذه النون نون الجمع وهو تنبيه على أن الأولى بالإنسان أن يؤدي الصلاة بالجماعة ، واعلم أن فائدة الصلاة بالجماعة معلومة في موضعها ، ويدل عليه قوله عليه السلام : « التكبيرة الأولى في صلاة الجماعة خير من الدنيا وما فيها » ، ثم نقول : إن الإنسان لو أكل الثوم أو البصل فليس له أن يحضر الجماعة لئلا يتأذى منه إنسان فكأنه تعالى يقول : هذه الطاعة التي لها هذا الثواب العظيم لا يفي ثوابها بأن يتأذى واحد من المسلمين برائحة الثوم والبصل ، فإذا كان هذا الثواب لا يفي بذلك فكيف يفي بإيذاء المسلم وكيف يفي بالنميمة والغيبة والسعاية . الوجه الثاني : أن الرجل إذا كان يصلي بالجماعة فيقول نعبد ، والمراد منه ذلك الجمع ، وإن كان يصلي وحده كان المراد أني أعبدك والملائكة معي في العبادة . فكان المراد بقوله نعبد هو وجميع الملائكة الذين يعبدون اللّه . الوجه الثالث : أن المؤمنين أخوة فلو قال إياك أعبد لكان قد ذكر عبادة نفسه ولم يذكر عبادة غيره ، أما لما قال إياك نعبد كان قد ذكر عبادة نفسه وعبادة جميع المؤمنين شرقاً وغرباً فكأنه سعى في إصلاح مهمات سائر المؤمنين ، وإذا فعل ذلك قضى اللّه مهماته لقوله عليه السلام : « من قضى لمسلم حاجة قضى اللّه له جميع حاجاته » .