الحق تعالى فإنه يحرسه من الآفات ، ويصونه من المخافات ، بعد أن كان قد زج أول الليل في أنواع المحظورات وأقسام المحرمات والمنكرات ، فما أكبر هذه التربية وما أحسنها ، أليس من التربية أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « الآدمي بنيان الرب ، ملعون من هدم بنيان الرب » ، فلهذا المعنى قال تعالى :
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ
[ الأنبياء : 42 ] ما ذاك إلا الملك الجبار ، والواحد القهار ، ومقلب القلوب والأبصار ، والمطلع على الضمائر والأسرار .
الفائدة السابعة : قالت القدرية : إنما يكون تعالى رباً للعالمين ومربياً لهم لو كان محسناً إليهم دافعاً للمضار عنهم ، أما إذا خلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه ، ويأمر بالإيمان ثم يمنعه منه ، لم يكن رباً ولا مربياً ، بل كان ضاراً ومؤذياً ، وقالت الجبرية : إنما سيكون رباً ومربياً لو كانت النعمة صادرة منه والألطاف فائضة من رحمته ، ولما كان الإيمان أعظم النعم وأجلها وجب أن يكون حصولها من اللّه تعالى ليكون رباً للعالمين إليهم محسناً بخلق الإيمان فيهم .
الفائدة الثامنة : قولنا : « اللّه » أشرف من قولنا : « رب » على ما بينا ذلك بالوجوه الكثيرة في تفسير أسماء اللّه تعالى ، ثم أن الداعي في أكثر الأمر يقول : يا رب ، يا رب ، والسبب فيه النكت والوجوه المذكورة في تفسير أسماء اللّه تعالى فلا نعيدها .
الفصل الثالث في تفسير قوله الرحمن الرحيم ، وفيه فوائد :
تفسير ( الرحمن الرحيم ) :
الفائدة الأولى : الرحمن : هو المنعم بما لا يتصور صدور جنسه من العباد ، والرحيم : هو المنعم بما يتصور جنسه من العباد ، حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال كنت ضيفاً لبعض القوم فقدم المائدة ، فنزل غراب وسلب رغيفاً ، فاتبعته تعجباً ، فنزل في بعض التلال ، وإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه .
وروى عن ذي النون أنه قال : كنت في البيت إذ وقعت ولولة في قلبي ، وصرت بحيث ما ملكت نفسي ، فخرجت من البيت وانتهيت إلى شط النيل ، فرأيت عقرباً قوياً يعدو فتبعته فوصل إلى طرف النيل فرأيت ضفدعاً واقفاً على طرف الوادي ، فوثب العقرب على ظهر الضفدع وأخذ الضفدع يسبح ويذهب ، فركبت السفينة وتبعته فوصل الضفدع إلى الطرف الآخر من النيل ، ونزل العقرب من ظهره ، وأخذ يعدو فتبعته ، فرأيت شاباً نائماً تحت شجرة ، ورأيت أفعي يقصده فلما قربت الأفعى من ذلك الشاب وصل العقرب إلى الأفعى فوثب العقرب على الأفعى فلدغه ، والأفعى أيضاً لدغ العقرب ، فماتا معاً ، وسلم ذلك الإنسان منهما .
ويحكى أن ولد الغراب كما يخرج من قشر البيضة يخرج من غير ريش فيكون كأنه قطعة لحم أحمر ، والغراب يفر منه ولا يقوم بتربيته ، ثم أن البعوض يجتمع عليه لأنه يشبه قطعة لحم ميت ، فإذا وصلت البعوض إليه التقم تلك البعوض واغتذى بها ، ولا يزال على هذه الحال إلى أن يقوى وينبت ريشه ويخفى لحمه تحت ريشه ، فعند ذلك تعود أمه