الفجار ، ثم أنا نصفه كل يوم أربعة وثلاثين مرة أنه رحمن وأنه رحيم ، وذلك لأن الصلوات سبع عشرة ركعة ، ويقرأ لفظ الرحمن الرحيم في كل ركعة مرتين مرة في بسم اللّه الرحمن الرحيم ومرة في قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ الفاتحة : 1 ، 2 ] فلما صار ذكر الرحمة مرة واحدة سبباً لخلاص مريم عليها السلام عن المكروهات أفلا يصير ذكر الرحمة هذه المرات الكثيرة طول العمر سبباً لنجاة المسلمين من النار والعار والدمار ؟ .
الفائدة الرابعة : أنه تعالى رحمن لأنه يخلق ما لا يقدر العبد عليه ، رحيم لأنه يفعل ما لا يقدر العبد على جنسه ، فكأنه تعالى يقول : أنا رحمن لأنك تسلم إلى نطفة مذرة فاسلمها إليك صورة حسنة ، كما قال تعالى :
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ *
[ غافر : 64 ] وأنا رحيم لأنك تسلم إلى طاعة ناقصة فأسلم إليك جنة خالصة .
الفائدة الخامسة : [ في حديث النبي ]
روي أن فتى قربت وفاته واعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا اللّه فأتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم وأخبروه به ، فقام ودخل عليه ، وجعل يعرض عليه الشهادة وهو يتحرك ويضطرب ولا يعمل لسانه فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أما كان يصلي ؟ أما كان يصوم ؟ أما كان يزكي ؟ » فقالوا : بلى ، فقال : « هل عق والديه ؟ » فقالوا :
بلى ، فقال عليه السلام : « هاتوا بأمه » ، فجاءت وهي عجوز عوراء فقال عليه السلام : « هلا عفوت عنه » ، فقالت :
لا أعفو لأنه لطمني ففقأ عيني ، فقال عليه السلام : « هاتوا بالحطب والنار » ، فقالت : وما تصنع بالنار ؟ فقال عليه السلام : « أحرقه بالنار بين يديك جزاء لما عمل بك » ، فقالت : عفوت عفوت ، أللنار حملته تسعة أشهر ؟
أللنار أرضعته سنتين ؟ فأين رحمة الأم ؟ فعند ذلك انطلق لسانه ، وذكر أشهد أن لا إله إلا اللّه ،
والنكتة أنها كانت رحيمة وما كانت رحمانة فلأجل ذلك القدر القليل من الرحمة ما جوزت الإحراق بالنار ، فالرحمن الرحيم الذي لم يتضرر بجنايات عبيده مع عنايته بعباده كيف يستجيز أن يحرق المؤمن الذي واظب على شهادة أن لا إله إلا اللّه سبعين سنة بالنار .
الفائدة السادسة : لقد اشتهر
أن النبي عليه السلام لما كسرت رباعيته قال : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » ،
فظهر
أنه يوم القيامة يقول : « أمتي ، أمتي » ،
فهذا كرم عظيم منه في الدنيا وفي الآخرة ، وإنما حصل فيه هذا الكرم وهذا الإحسان لكونه رحمة كما قال تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
فإذا كان أثر الرحمة الواحدة بلغ هذا المبلغ فكيف كرم من هو رحمن رحيم ؟ وأيضاً
روي أنه عليه السلام قال : « اللهم اجعل حساب أمتي على يدي » ،
ثم إنه امتنع عن الصلاة على الميت لأجل أنه كان مديوناً بدرهمين ، وأخرج عائشة / عن البيت بسبب الإفك فكأنه تعالى قال له إن لك رحمة واحدة وهي قوله :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] والرحمة الواحدة لا تكفي في إصلاح عالم المخلوقات ، فذرني وعبيدي واتركني وأمتك فإني أنا الرحمن الرحيم ، فرحمتي لا نهاية لها ، ومعصيتهم متناهية ، والمتناهي في جنب غير المتناهي يصير فانياً ، فلا جرم معاصي جميع الخلق تفنى في بحار رحمتي ، لأني أنا الرحمن الرحيم .
الفائدة السابعة : قالت القدرية : كيف يكون رحماناً رحيماً من خلق الخلق للنار ولعذاب الأبد ؟ وكيف يكون رحماناً رحيماً من يخلق الكفر في الكافر ويعذبه عليه ؟ وكيف يكون رحماناً رحيماً من أمر بالإيمان ثم صد ومنع عنه ؟ وقالت الجبرية : أعظم أنواع النعمة والرحمة هو الإيمان فلو لم يكن الإيمان من اللّه بل كان من العبد لكان اسم الرحمن الرحيم بالعبد أولى منه باللّه ، واللّه أعلم .