تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
من القرآن ، ثم إنه ثبت في القرآن فوجب الجزم بأنه من القرآن ، إذ لو جاز إخراجه من القرآن مع هذه الموجبات الكثيرة ومع الشهرة لجاز إخراج سائر الآيات كذلك ، وذلك يوجب الطعن في القرآن . الحجة السابعة عشرة : قد بينا أنه ثبت بالتواتر أن اللّه تعالى كان ينزل هذه الكلمة على محمد عليه الصلاة والسلام وكان يأمر بكتبه بخط المصحف ، وبينا أن حاصل الخلاف في أنه هل هو من القرآن فرجع إلى أحكام مخصوصة مثل أنه هل يجب قراءته ، وهل يجوز للجنب قراءته ، وللمحدث مسه ؟ فنقول : ثبوت هذه الأحكام أحوط فوجب المصير إليه ، لقوله عليه الصلاة والسلام : دع ما يريبك إلا ما لا يريبك . واحتج المخالف بأشياء : الأول : تعلقوا بخبر أبي هريرة ، وهو أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : يقول اللّه تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فإذا قال العبد الحمد للّه رب العالمين يقول اللّه تعالى حمدني عبدي ، وإذا قال الرحمن الرحيم يقول اللّه تعالى أثنى على عبدي وإذا قال مالك يوم الدين يقول اللّه تعالى مجدني عبدي ، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين يقول اللّه تعالى هذا بيني وبين عبدي والاستدلال بهذا الخبر من وجهين : الأول : أنه عليه الصلاة والسلام لم يذكر التسمية ، ولو كانت آية من الفاتحة لذكرها ، والثاني : أنه تعالى قال : جعلت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، والمراد من الصلاة الفاتحة ، وهذا التنصيف إنما يحصل إذا قلنا إن التسمية / ليست آية من الفاتحة ، لأن الفاتحة سبع آيات فيجب أن يكون فيها للّه ثلاث آيات ونصف وهي من قوله الحمد للّه إلى قوله إياك نعبد - وللعبد ثلاث آيات ونصف - وهي من قوله وإياك نستعين إلى آخر السورة - أما إذا جعلنا بسم اللّه الرحمن الرحيم آية من الفاتحة حصل للّه أربع آيات ونصف ، وللعبد آيتان ونصف ، وذلك يبطل التنصيف المذكور . الحجة الثانية : روت عائشة رضي اللّه تعالى عنها أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة بالحمد للّه رب العالمين ، وهذا يدل على أن التسمية ليست آية من الفاتحة . الحجة الثالثة : لو كان قوله بسم اللّه الرحمن الرحيم آية من هذه السورة : لزم التكرار في قوله الرحمن الرحيم ، وذلك بخلاف الدليل . والجواب عن الحجة الأولى من وجوه : الأول : أنا نقلنا أن الشيخ أبا إسحاق الثعلبي روى بإسناده أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما ذكر هذا الحديث عد بسم اللّه الرحمن الرحيم آية تامة من سورة الفاتحة ، ولما تعارضت الروايتان فالترجيح معنا ، لأن رواية الإثبات مقدمة على رواية النفي . الثاني : روى أبو داود السختياني عن النخعي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : وإذا قال العبد مالك يوم الدين يقول اللّه تعالى مجدني عبدي وهو بيني وبين عبدي ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله في مالك يوم الدين هذا بيني وبين عبدي ، يعني في القسمة ، وإنما يكون كذلك إذا حصلت ثلاثة قبلها وثلاثة بعدها ، وإنما يحصل ثلاثة قبلها لو كانت التسمية آية من الفاتحة فصار هذا الخبر حجة لنا من هذا الوجه . الثالث : أن لفظ النصف كما يحتمل النصف في عدد الآيات فهو أيضاً يحتمل النصف في المعنى ، قال عليه الصلاة والسلام : الفرائض نصف العلم ، وسماه بالنصف من حيث أنه بحث عن أحوال الأموات ، والموت والحياة قسمان ، وقال شريح : أصبحت ونصف الناس علي غضبان ، سماه نصفاً من حيث إن بعضهم راضون وبعضهم ساخطون ، الرابع : إن دلائلنا في أن بسم اللّه الرحمن الرحيم آية من الفاتحة صريحة ، وهذا الخبر الذي تمكسوا به ليس المقصود منه بيان أن بسم
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 177 | فخر الدين الرازي