تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
الرحيم حين استفتحت القرآن ؟ فأعاد معاوية الصلاة وقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم ، وهذا الخبر يدل على إجماع الصحابة رضي اللّه عنهم على أنه من القرآن ومن الفاتحة ، وعلى أن الأولى الجهر بقراءتها . الحجة الثالثة عشرة : أن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا عند الشروع في أعمال الخير يبتدئون بذكر بسم اللّه ، فوجب أن يجب على رسولنا صلى اللّه عليه وسلم ذلك ، وإذا ثبت هذا الوجوب في حق الرسول ثبت أيضاً في حقنا ، وإذا ثبت الوجوب في حقنا ثبت أنه آية من سورة الفاتحة ، أما المقدمة الأولى : فالدليل عليها أن نوحاً عليه السلام لما أراد ركوب السفينة قال :
ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
[ هود : 41 ] وأن سليمان لما كتب إلى بلقيس كتب بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فإن قالوا : أليس أن قوله تعالى :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ النمل : 30 ] يدل على أن سليمان قدم اسم نفسه على اسم اللّه تعالى ؟ قلنا : معاذ اللّه أن يكون الأمر كذلك ، وذلك لأن الطير أتى بكتاب سليمان ووضعه على صدر بلقيس ، وكانت المرأة في بيت لا يقدر أحد على الدخول فيه لكثرة من أحاط بذلك البيت من العساكر والحفظة ، فعلمت بلقيس أن ذلك الطير هو الذي أتى بذلك الكتاب ، وكانت قد سمعت باسم سليمان ، فلما أخذت الكتاب قالت هي من عند نفسها : إنه من سليمان ، فلما فتحت الكتاب رأت التسمية مكتوبة فقالت :
وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
. فثبت أن الأنبياء عليهم السلام كلما شرعوا في عمل من أعمال الخير ابتدءوا بذكر بسم اللّه الرحمن الرحيم ، والمقدمة الثانية : أنه لما ثبت هذا في حق سائر الأنبياء وجب أن يجب على رسولنا ذلك ، لقوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ
[ الأنعام : 90 ] وإذا ثبت ذلك في حق الرسول وجب أن يجب علينا ذلك لقوله تعالى :
وَاتَّبِعُوهُ
وإذا ثبت وجوب قراءته علينا ثبت أنه آية من الفاتحة ، لأنه لا قائل بالفرق . الحجة الرابعة عشرة : أنه تعالى متقدم بالوجود على وجود سائر الموجودات ، لأنه تعالى قديم وخالق وغيره محدث ومخلوق ، والقديم الخالق يجب أن يكون سابقاً على المحدث المخلوق ، وإذا ثبت أنه تعالى سابق على غيره وجب بحكم المناسبة العقلية أن يكون ذكره سابقاً على ذكر غيره ، وهذا السبق في الذكر لا يحصل إلا إذا كان قراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم سابقة على سائر الأذكار والقراءات ، وإذا ثبت أن القول بوجوب هذا التقدم حسن في / العقول وجب أن يكون معتبراً في الشرع لقوله عليه الصلاة والسلام : « ما رآه المسلمون حسناً فهو عند اللّه حسن ، وإذا ثبت وجوب القراءة ثبت أيضاً أنها آية من الفاتحة ، لأنه لا قائل بالفرق . الحجة الخامسة عشرة : أن بسم اللّه الرحمن الرحيم لا شك أنه من القرآن في سورة النمل ثم إنا نراه مكرراً بخط القرآن ، فوجب أن يكون من القرآن كما أنا لما رأينا قوله تعالى :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ *
[ الرحمن : 13 ] وقوله تعالى :
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *
[ المرسلات : 15 ] مكرراً في القرآن بخط واحد وصورة واحدة ، قلنا : إن الكل من القرآن . الحجة السادسة عشرة : روي أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يكتب في أول الأمر على رسم قريش « باسمك اللهم » حتى نزل قوله تعالى :
ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
[ هود : 41 ] فكتب « بسم اللّه » فنزل قوله :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
[ الإسراء : 110 ] فكتب « بسم اللّه الرحمن » فلما نزل قوله تعالى
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[ النمل : 30 ] كتب مثلها ، وجه الاستدلال أن أجزاء هذه الكلمة كلها من القرآن ، ومجموعها