والهادوية وصرحوا بعدم صحتها إن وقعت فيها . وذهب الشافعي إلى الفرق بين المقبرة
المنبوشة وغيرها فقال : إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز
الصلاة فيها للنجاسة ، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته . وإلى مثل ذلك ذهب
أبو طالب وأبو العباس والامام يحيى من أهل البيت ، وقال الرافعي : أما المقبرة فالصلاة مكروهة
فيها بكل حال . وذهب الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة ، ولم
يفرقوا كما فرق الشافعي ومن معه بين المنبوشة وغيرها ، وذهب مالك إلى جواز الصلاة
في المقبرة وعدم الكراهة والأحاديث ترد عليه . ( وقد احتج له ) بعض أصحابه بما يقضى
منه العجب ، فاستدل له بأنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قبر المسكينة السوداء ، وأحاديث
النهي المتواترة كما قال ذلك الامام لا تقصر عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى
الحقيقي له ، وقد تقرر في الأصول أن النهي يدل على فساد المنهي عنه ، فيكون الحق
التحريم والبطلان ، لأن الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان ، من غير فرق
بين الصلاة على القبر وبين المقابر وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة . وأما الحمام فذهب أحمد
إلى عدم صحة الصلاة فيه ومن صلى فيه أعاد أبدا . وقال أبو ثور : لا يصلى في حمام ولا مقبرة
على ظاهر الحديث وإلى ذلك ذهبت الظاهرية . وروي عن ابن عباس أنه قال : لا يصلين
إلى حش ولا في حمام ولا في مقبرة ، قال ابن حزم : وما نعلم لابن عباس في هذا مخالفا من الصحابة ،
وروينا مثل ذلك عن نافع بن جبير بن مطعم وإبراهيم النخعي وخيثمة والعلاء بن زياد عن
أبيه ، قال ابن حزم : ولا تحل الصلاة في حمام سواء في ذلك مبدأ بابه إلى جميع حدوده ولا
على سطحه وسقف مستوقده وأعالي حيطانه خربا كان أو قائما ، فإن سقط من بنائه شئ
يسقط عنه اسم حمام جازت الصلاة في أرضه حينئذ انتهى . وذهب الجمهور إلى صحة
الصلاة في الحمام مع الطهارة وتكون مكروهة ، وتمسكوا بعمومات نحو حديث : أينما
أدركت الصلاة فصل وحملوا النهي على حمام متنجس ، والحق ما قاله الأولون لأن أحاديث
المقبرة والحمام مخصصة لذلك العموم ، وحكمة المنع من الصلاة في المقبرة قيل هو ما تحت
المصلى من النجاسة ، وقيل لحرمة الموتى ، وحكمة المنع من الصلاة في الحمام أنه يكثر فيه
النجاسات ، وقيل إنه مأوى الشيطان .
وعن أبي مرثد الغنوي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة .
نيل الأوطار — صفحة 137
مساهمون: الشوكاني
ص١٣٧