بعد لون . وقرأ ذلك عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين :
لَتَرْكَبُنَّ
بالتاء ، وبضم الباء ، على وجه الخطاب للناس كافة ، أنهم يركبون أحوال الشدة حالا بعد حال . وقد ذكر بعضهم أنه قرأ ذلك بالياء ، وبضم الباء ، على وجه الخبر عن الناس كافة ، أنهم يفعلون ذلك . وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب :
قراءة من قرأ بالتاء وبفتح الباء ، لأن تأويل أهل التأويل من جميعهم بذلك ورد وإن كان للقراءات الأخر وجوه مفهومة . وإذا كان الصواب من القراءة في ذلك ما ذكرنا ، فالصواب من التأويل قول من قال : " لتركبن " أنت يا محمد حالا بعد حال ، وأمرا بعد أمر من الشدائد . والمراد بذلك ، وإن كان الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم موجها ، جميع الناس ، أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالا . وإنما قلنا : عني بذلك ما ذكرنا ، أن الكلام قبل قوله :
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ
جرى بخطاب الجميع ، وكذلك بعده ، فكان أشبه أن يكون ذلك نظير ما قبله وما بعده . وقوله :
طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ
من قول العرب : وقع فلان في بنات طبق : إذا وقع في أمر شديد . وقوله :
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره : فما لهؤلاء المشركين لا يصدقون بتوحيد الله ، ولا يقرون بالبعث بعد الموت ، وقد أقسم لهم ربهم بأنهم راكبون طبقا عن طبق ، مع ما قد عاينوا من حججه بحقيقة توحيده . وقد : حدثني يونس ، قال :
أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
: قال : وبهذا الحديث ، وبهذا الأمر . وقوله :
وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ
يقول تعالى ذكره : وإذا قرئ عليهم كتاب ربهم لا يخضعون ولا يستكينون ؛ وقد بينا معنى السجود قبل بشواهده ، فأغنى ذلك عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى :
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ . . .
إِلَّا الَّذِينَ
قوله بل الذين كفروا يكذبون يقول تعالى ذكره : بل الذين كفروا يكذبون بآيات الله وتنزيله . وقوله :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ
يقول تعالى ذكره : والله أعلم بما توعيه صدور هؤلاء المشركين ، من التكذيب بكتاب الله ورسوله . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
يُوعُونَ
قال : يكتمون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ
قال : المرء يوعي متاعه وماله هذا في هذا ، وهذا في هذا ، هكذا يعرف أقله ما يوعون من الأعمال ، والأعمال السيئة مما توعيه قلوبهم ، ويجتمع فيها من هذه الأعمال الخير والشر ، فالقلوب وعاء هذه الأعمال كلها ، الخير والشر ، يعلم ما يسرون وما يعلنون ، ولقد وعى لكم ما لا يدري أحد ما هو من القرآن وغير ذلك ، فاتقوا الله وإياكم أن تدخلوا على مكارم هذه الأعمال ، بعض هذه الخبث ما يفسدها . ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
يُوعُونَ
قال في صدورهم . وقوله :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
يقول جل ثناؤه : فبشر يا محمد هؤلاء المكذبين بآيات الله ، بعذاب أليم لهم عند الله موجع
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
يقول : إلا الذين تابوا منهم وصدقوا ، وأقروا بتوحيده ، ونبوة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، وبالبعث بعد الممات .
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
يقول :
وأدوا فرائض الله ، واجتنبوا ركوب ما حرم الله عليهم ركوبه . وقوله :
لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
يقول تعالى ذكره : لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ثواب غير محسوب ولا منقوص . وبنحو الذي قلنا