إياكم عن الإسلام والهجرة وتصفحوا لهم عن عقوبتكم إياهم على ذلك ، وتغفروا لهم غير ذلك من الذنوب
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
لكم لمن تاب من عباده ، من ذنوبكم
رَحِيمٌ
بكم أن يعاقبكم عليها من بعد توبتكم منها . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ . . .
هُمُ الْمُفْلِحُونَ
يقول تعالى ذكره : ما أموالكم أيها الناس وأولادكم إلا فتنة ، يعني بلاء عليكم في الدنيا .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
يقول : بلاء . وقوله :
وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
يقول : والله عنده ثواب لكم عظيم ، إذا أنتم خالفتم أولادكم وأزواجكم في طاعة الله ربكم ، وأطعتم الله عز وجل ، وأديتم حق الله في أموالكم ، والأجر العظيم الذي عند الله الجنة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
وهي الجنة . قوله :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
يقول تعالى ذكره : واحذروا الله أيها المؤمنون وخافوا عقابه ، وتجنبوا عذابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ، والعمل بما يقرب إليه ما أطلقتم وبلغه وسعكم . وذكر أن قوله :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
نزل بعد قوله :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
تخفيفا عن المسلمين ، وأن قول
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
ناسخ قوله :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
هذه رخصة من الله ، والله رحيم بعباده ، وكان الله جل ثناؤه أنزل قبل ذلك :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى ، ثم خفف الله تعالى ذكره عن عباده ، فأنزل الرخصة بعد ذلك فقال :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
فيما استطعت يا ابن آدم ، عليها بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطعتم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
قال : نسختها :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
وقد تقدم بياننا عن معنى الناسخ والمنسوخ بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ؛ وليس في قوله :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
دلالة واضحة على أنه لقوله :
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
ناسخ ، إذ كان محتملا قوله : اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم ، ولم يكن بأنه له ناسخ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان ذلك كذلك ، فالواجب استعمالهما جميعا على ما يحتملان من وجوه الصحة . وقوله :
وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
يقول : واسمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه
وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ
يقول : وأنفقوا مالا من أموالكم لأنفسكم تستنقذوها من عذاب الله ، والخير في هذا الموضع المال . وقوله :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
يقول تعالى ذكره : ومن يقه الله شح نفسه ، وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني أبو معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
يقول : هوى نفسه حيث يتبع هواه ولم يقبل الإيمان . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال ، عن ابن مسعود
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
قال : أن يعمد إلى مال غيره فيأكله . وقوله :
فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
يقول : فهؤلاء الذين وقوا شح أنفسهم ، المنجحون الذين أدركوا طلباتهم عند ربهم . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ . . .
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يقول تعالى ذكره : وإن تنفقوا في سبيل الله ، فتحسنوا فيها النفقة ، وتحتسبوا بإنفاقكم الأجر والثواب يضاعف ذلك لكم