تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢

إياكم عن الإسلام والهجرة وتصفحوا لهم عن عقوبتكم إياهم على ذلك ، وتغفروا لهم غير ذلك من الذنوب فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لكم لمن تاب من عباده ، من ذنوبكم رَحِيمٌ بكم أن يعاقبكم عليها من بعد توبتكم منها . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ . . . هُمُ الْمُفْلِحُونَ يقول تعالى ذكره : ما أموالكم أيها الناس وأولادكم إلا فتنة ، يعني بلاء عليكم في الدنيا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ يقول : بلاء . وقوله : وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يقول : والله عنده ثواب لكم عظيم ، إذا أنتم خالفتم أولادكم وأزواجكم في طاعة الله ربكم ، وأطعتم الله عز وجل ، وأديتم حق الله في أموالكم ، والأجر العظيم الذي عند الله الجنة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ وهي الجنة . قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ يقول تعالى ذكره : واحذروا الله أيها المؤمنون وخافوا عقابه ، وتجنبوا عذابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه ، والعمل بما يقرب إليه ما أطلقتم وبلغه وسعكم . وذكر أن قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ نزل بعد قوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ تخفيفا عن المسلمين ، وأن قول فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ناسخ قوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا هذه رخصة من الله ، والله رحيم بعباده ، وكان الله جل ثناؤه أنزل قبل ذلك : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى ، ثم خفف الله تعالى ذكره عن عباده ، فأنزل الرخصة بعد ذلك فقال : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فيما استطعت يا ابن آدم ، عليها بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطعتم . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ قال : نسختها : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وقد تقدم بياننا عن معنى الناسخ والمنسوخ بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ؛ وليس في قوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ دلالة واضحة على أنه لقوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ناسخ ، إذ كان محتملا قوله : اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم ، ولم يكن بأنه له ناسخ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كان ذلك كذلك ، فالواجب استعمالهما جميعا على ما يحتملان من وجوه الصحة . وقوله : وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا يقول : واسمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ يقول : وأنفقوا مالا من أموالكم لأنفسكم تستنقذوها من عذاب الله ، والخير في هذا الموضع المال . وقوله : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يقول تعالى ذكره : ومن يقه الله شح نفسه ، وذلك اتباع هواها فيما نهى الله عنه . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني أبو معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ يقول : هوى نفسه حيث يتبع هواه ولم يقبل الإيمان . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن جامع بن شداد ، عن الأسود بن هلال ، عن ابن مسعود وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ قال : أن يعمد إلى مال غيره فيأكله . وقوله : فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يقول : فهؤلاء الذين وقوا شح أنفسهم ، المنجحون الذين أدركوا طلباتهم عند ربهم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ . . . الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يقول تعالى ذكره : وإن تنفقوا في سبيل الله ، فتحسنوا فيها النفقة ، وتحتسبوا بإنفاقكم الأجر والثواب يضاعف ذلك لكم