إن المتقين في سعة يوم القيامة وضياء ، فوجهوا معنى قوله :
وَنَهَرٍ
إلى معنى النهار . وزعم الفراء انه سمع بعض العرب ينشد :
إن تك ليليا فإني نهر * متى أتى الصبح فلا أنتظر
وقوله : " نهر " على هذا التأويل مصدر من قولهم : نهرت أنهر نهرا . وعنى بقوله : " فإني نهر " : أي إني لصاحب نهار : أي لست بصاحب ليلة . وقوله :
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ
يقول : في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم
عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
يقول : عند ذي ملك مقتدر على ما يشاء ، وهو الله ذو القوة المتين ، تبارك وتعالى . آخر تفسير سورة اقتربت الساعة .
[ تفسير سورة الرحمن ]
القول في تأويل قوله تعالى :
الرَّحْمنُ . . .
وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
يقول تعالى ذكره : الرحمن أيها الناس برحمته إياكم علمكم القرآن ، فأنعم بذلك عليكم ، إذ بصركم به ما فيه رضا ربكم ، وعرفكم ما فيه سخطه ، لتطيعوه باتباعكم ما يرضيه عنكم ، وعملكم بما أمركم به ، وبتجنبكم ما يسخطه عليكم ، فتستوجبوا بذلك جزيل ثوابه ، وتنجوا من أليم عقابه . وروي عن قتادة في ذلك ما : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن مروان العقيلي ، قال : ثنا أبو العوام العجلي ، عن قتادة ، أنه قال في تفسير
الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ
قال : نعمة والله عظيمة . وقوله :
خَلَقَ الْإِنْسانَ
يقول تعالى ذكره : خلق آدم وهو الإنسان في قول بعضهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال :
ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله :
خَلَقَ الْإِنْسانَ
قال : الإنسان : آدم عليه السلام . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
خَلَقَ الْإِنْسانَ
قال : الإنسان : آدم عليه السلام . وقال آخرون : بل عنى بذلك الناس جميعا ، وإنما وحد في اللفظ لأدائه عن جنسه ، كما قيل :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
والقولان كلاهما غير بعيدين من الصواب لاحتمال ظاهر الكلام إياهما . وقوله :
عَلَّمَهُ الْبَيانَ
يقول تعالى ذكره : علم الإنسان البيان . ثم اختلف أهل التأويل في المعني بالبيان في هذا الموضع ، فقال بعضهم :
عنى به بيان الحلال والحرام . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله
عَلَّمَهُ الْبَيانَ
علمه الله بيان الدنيا والآخرة بين حلاله وحرامه ، ليحتج بذلك على خلقه .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن سعيد ، عن قتادة
عَلَّمَهُ الْبَيانَ
الدنيا والآخرة ليحتج بذلك عليه . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن مروان ، قال : ثنا أبو العوام ، عن قتادة ، في قوله :
عَلَّمَهُ الْبَيانَ
قال : تبين له الخير والشر ، وما يأتي ، وما يدع . وقال آخرون : عنى به الكلام : أي أن الله عز وجل علم الإنسان البيان . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
عَلَّمَهُ الْبَيانَ
قال : البيان : الكلام . والصواب من القول في ذلك أن يقال :
معنى ذلك أن الله علم الإنسان ما به الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه من الحلال والحرام ، والمعايش والمنطق ، وغير ذلك مما به الحاجة إليه ، لأن الله جل ثناؤه لم يخصص بخبره ذلك ، أنه علمه من البيان بعضا دون بعض ، بل عم فقال : علمه البيان ، فهو كما عم جل ثناؤه . وقوله :
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : الشمس والقمر بحسبان ، ومنازل لها