يقول : أحدثوها
ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ
يقول : ما افترضنا تلك الرهبانية عليهم
إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ
يقول : لكنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله
فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها
واختلف أهل التأويل في الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها ، فقال بعضهم : هم الذين ابتدعوها ، لم يقوموا بها ، ولكنهم بدلوا وخالفوا دين الله الذي بعث به عيسى : فتنصروا وتهودوا . وقال آخرون : بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ابتدعوها فلم يرعوها حق رعايتها ، لأنهم كانوا كفارا ولكنهم قالوا : نفعل كالذي كانوا يفعلون من ذلك أوليا ، فهم الذين وصف الله بأنهم لم يرعوها حق رعايتها . وبنحو الذي قلنا في تأويل هذه الأحرف إلى الموضع الذي ذكرنا أن أهل التأويل فيه مختلفون في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً
فهاتان من الله ، والرهبانية ابتدعها قوم من أنفسهم ، ولم تكتب عليهم ، ولكن ابتغوا بذلك وأرادوا رضوان الله ، فما رعوها حق رعايتها ، ذكر لنا أنهم رفضوا النساء ، واتخذوا الصوامع .
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها
قال : لم تكتب عليهم ، ابتدعوها ابتغاء رضوان الله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ
قال فلم ؟ قال : ابتدعوها ابتغاء رضوان الله تطوعا ، فما رعوها حق رعايتها . ذكر من قال : الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها كانوا غير الذين ابتدعوها . ولكنهم كانوا المريدي الاقتداء بهم . حدثنا الحسين بن الحريث أبو عمار المروزي قال : ثنا الفضل بن موسى ، عن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كانت ملوك بعد عيسى بدلوا التوراة والإنجيل ، وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل ، فقيل لملكهم : ما نجد شيئا أشد علينا من شتم يشتمناه هؤلاء أنهم يقرءون
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
هؤلاء الآيات مع ما يعيبوننا به في قراءتهم ، فادعهم فليقرءوا كما نقرأ ، وليؤمنوا كما آمنا به ، قال : فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل ، أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل ، إلا مابدلوا منها ، فقالوا : ما تريدون إلى ذلك فدعونا ؛ قال :
فقالت طائفة منهم : ابنوا لنا أسطوانة ، ثم ارفعونا إليها ، ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ، فلا نرد عليكم ، وقالت طائفة منهم : دعونا نسيح في الأرض ، ونهيم ونشرب كما تشرب الوحوش ، فإن قدرتم علينا بأرضكم فاقتلونا ، وقالت طائفة : ابنوا لنا دورا في الفيافي ، ونحتفر الآبار ، ونحترث البقول ، فلانرد عليكم ، ولا نمر بكم ، وليس أحد من أولئك إلا وله حميم فيهم ؛ قال : ففعلوا ذلك ، فأنزل الله جل ثناؤه
وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها
الآخرون قالوا :
نتعبد كما تعبد فلان ، ونسيح كما ساح فلان . ونتخذ دورا كما اتخذ فلان ، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم ؛ قال : فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل ، انحط رجل من صومعته ، وجاء سائح من سياحته ، وجاء صاحب الدار من داره ، وآمنوا به وصدقوه ، فقال الله جل ثناؤه
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ
قال : أجرين لإيمانهم بعيسى ، وتصديقهم بالتوراة والإنجيل ، وإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقهم به . قال
وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ
القرآن ، واتباعهم النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقال :
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
حدثنا يحيى بن أبي طالب ، قال : ثنا داود بن المحبر ، قال : ثنا الصعق بن حزن ، قال : ثنا عقيل الجعدي ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن سويد ين غفلة ، عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" واختلف من كان قبلنا على إحدى وسبعين فرقة ، نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم : فرقة من الثلاث