قال : ثنا إسحاق بن منصور ، عن قيس ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ
قال : الصبر عند المصيبة ، والشكر عند النعمة . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن سماك البكري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ
قال : ليس أحد إلا يحزن ويفرح ، ولكن من أصابته مصيبة فجعلها صبرا ، ومن أصابه خير فجعله شكرا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول الله عز وجل :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
قال : لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا ، ولا تفرحوا بما أتاكم منها . واختلفت القراء في قراءة قوله :
بِما آتاكُمْ
فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والكوفة
بِما آتاكُمْ
بمد الألف . وقرأه بعض قراء البصرة " بما أتاكم " بقصر الألف ؛ وكأن من قرأ ذلك بقصر الألف اختار قراءته كذلك ، إذ كان الذي قبله على ما فاتكم ، ولم يكن على ما أفاتكم ، فيرد الفعل إلى الله ، فألحق قوله : " وبما أتاكم " به ، ولم يرده إلى أنه خبر عن الله . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان صحيح معناهما ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وإن كنت أختار مد الألف لكثرة قارئي ذلك كذلك ، وليس للذي اعتل به منه معتلو قارئيه بقصر الألف كبير معنى ، لأن ما جعل من ذلك خبرا عن الله ، وما صرف منه إلى الخبر عن غيره ، فغير خارج جميعه عند سامعيه من أهل العلم أنه من فعل الله تعالى ، فالفائت من الدنيا من فاته منها شيء ، والمدرك منها ما أدرك عن تقدم الله عز وجل وقضائه ، وقد بين ذلك حل ثناؤه لمن عقل عنه بقوله :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها
فأخبر أن الفائت منها بإفاتته إياهم فاتهم ، والمدرك منها بإعطائه إياهم أدركوا ، وأن ذلك محفوظ لهم في كتاب من قبل أن يخلقهم . وقوله :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
يقول : والله لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا ، فخور به على الناس . القول في تأويل قوله تعالى :
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
يقول تعالى ذكره : والله لا يحب كل مختال فخور ، الباخلين بما أوتوا في الدنيا على اختيالهم به وفخرهم بذلك على الناس ، فهم يبخلون بإخراج حق الله الذي أوجبه عليهم فيه ، ويشحون به ، وهم مع بخلهم به أيضا يأمرون الناس بالبخل . وقوله :
وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
يقول تعالى ذكره : ومن يدبر معوضا عن عظة الله
فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
يقول تعالى ذكره : ومن يدبر معرضا عن عظة الله ، تاركا العمل بما دعاه إليه من الإنفاق في سبيله ، فرحا بما أوتي من الدنيا مختالا به فخورا يخيلا ، فإن الله هو الغني عن ماله ونفقته ، وعن غيره من سائر خلقه ، الحميد إلى خلقه بما أنعم به عليهم من نعمه . واختلف أهل العربية في موضع جواب قوله :
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ
فقال بعضهم : استغنى بالأخبار التي لأشباههم ، ولهم في القران ، كما قال :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى
ولم يكن في ذا الموضع خبر والله أعلم بما ينزل ، هو كما أنزل ، أو كما أراد أن يكون . وقال غيره من أهل العربية : الخبر قد جاء في الآية التي قبل هذه
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
عطف بجزاءين على حزاء ، وجعل جوابهما واحدا ، كما تقول : إن تقم وإن تحسن آتك ، لا أنه حذف الخبر . واختلفت القراء في قراءة قوله :
فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
فقرأ ذلك عامة قراء المدينة " فإن الله الغني " بحذف
هُوَ
من الكلام ، وكذلك ذلك في مصاحفهم بغير
هُوَ
وقرأته عامة قراء الكوفة
فَإِنَّ اللَّهَ