من تحتها الأنهار ، فأبشروا بها . وقوله :
خالِدِينَ فِيها
يقول : ماكثين في الجنات ، لا ينتقلون عنها ولا يتحولون . وقوله :
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
يقول : خلودهم في الجنات التي وصفها هو النجح العظيم الذي كانوا يطلبونه بعد النجاة من عقاب الله ، ودخول الجنة خالدين فيها . القول في تأويل قوله تعالى :
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ . . .
يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ
. . . حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
يقول تعالى ذكره : هو الفوز العظيم في يوم يقول المنافقون والمنافقات ، واليوم من صلة الفوز للذين آمنوا بالله ورسله : انظرونا . واختلفت القراء في قراءة قوله :
انْظُرُونا
فقرأت ذلك عامة قراء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة
انْظُرُونا
موصولة بمعنى انتظرونا ، وقرأته عامة قراء الكوفة " أنظرونا " مقطوعة الألف من أنظرت بمعنى : أخرونا ، وذكر الفراء أن العرب تقول : انظرني وهم يريدون انتظرني قليلا ؛ وأنشد في ذلك بيت عمرو بن كلثوم :
أبا هند فلا تعجل علينا * وانظرنا نخبرك اليقينا
قال : فمعنى هذا : انتظرنا قليلا نخبرك ، لأنه ليس هاهنا تأخير ، إنما هو استماع كقولك للرجل : اسمع مني حتى أخبرك . والصواب من القراءة في ذلك عندي الوصل ، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب إذا أريد به انتظرنا ، وليس للتأخير في هذا الموضع معنى ، فيقال : أنظرونا ، بفتح الألف وهمزها .
وقوله :
نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ
يقول : نستصبغ من نوركم ، والقبس : الشعلة . وقوله :
قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً
يقول جل ثناؤه : فيجابون بأن يقال لهم : ارجعوا من حيث جئتم ، واطلبوا لأنفسكم هنا لك نورا ، فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا . وبنجو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ
إلى قوله :
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
قال ابن عباس :
بينما الناس في ظلمة ، إذ بعث الله نورا ؛ فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه ، وكان النور دليلا من الله إلى الجنة ؛ فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا ، تبعوهم ، فأظلم الله على المنافقين ، فقالوا حينئذ :
انظرونا نقتبس من نوركم ، فإنا كنا معكم في الدنيا ؛ قال المؤمنون : ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة ، فالتمسوا هنا لك النور . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله :
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا
الآية ، كان ابن عباس يقول : بينما الناس في ظلمة ، ثم ذكر نحوه . وقوله :
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
يقول تعالى ذكره : فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسور ، وهو حاجز بين أهل الجنة وأهل النار . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
بِسُورٍ لَهُ بابٌ
قال : كالحجاب في الأعراف . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ
السور : حائط بين الجنة والنار . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ
قال : هذا السور الذي قال الله
وَبَيْنَهُما حِجابٌ
وقد قيل : إن ذلك السور ببيت المقدس عند وادي جهنم . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا الحسن بن بلال ، قال : ثنا حماد ، قال : أخبرنا أبو سنان ، قال : كنت مع علي بن عبد الله بن عباس ، عند وادي جهنم ، فحدث عن أبيه عبد الله بن عباس أنه قال :
فَضُرِبَ