وسلم يدعوكم إلى الإقرار بوحدانيته ، وقد أتاكم من الحجج على حقيقة ذلك ، ما قطع عذركم ، وأزال الشك من قلوبكم ، وقد أخذ ميثاقكم ، قيل : عني بذلك ؛ وقد أخذ منكم ربكم ميثاقكم في صلب آدم ، بأن الله ربكم لا إله لكم سواه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ
قال : في ظهر آدم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقراته عامة قراء الحجاز والعراق غير أبي عمرو
وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ
بفتح الألف من أخذ ونصب الميثاق ، بمعنى : وقد أخذ ربكم ميثاقكم .
وقرأ ذلك أبو عمرو : " وقد أخذ ميثاقكم " بضم الألف ورفع الميثاق ، على وجه ما لم يسم فاعله . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وإن كان فتح الألف من أخذ ونصب الميثاق أعجب القراءتين إلي في ذلك لكثرة القراءة بذلك ، وقلة القراء بالقراءة الأخرى . وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
يقول : إن كنتم تريدون أن تؤمنوا بالله يوما من الأيام ، فالآن أحرى الأوقات ، أن تؤمنوا لتتابع الحجج عليكم بالرسول وإعلامه ، ودعائه إياكم إلى ما قد تقررت صحته عندكم بالإعلام والأدلة والميثاق المأخوذ عليكم . القول في تأويل قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
يقول تعالى ذكره : الله الذي ينزل على عبده محمد
آياتٍ بَيِّناتٍ
يعني مفصلات
لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
يقول جل ثناؤه : ليخرجكم أيها الناس من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ، ومن الضلالة إلى الهدى . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
قال : من الضلالة إلى الهدى . وقوله :
وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
يقول تعالى ذكره : وإن الله بإنزاله على عبده ما أنزل عليه من الآيات البينات لهدايتكم ، وتبصيركم الرشاد ، لذو رأفة بكم ورحمة ، فمن رأفته ورحمته بكم فعل ذلك القول في تأويل قوله تعالى :
وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . .
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ
وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ
. . . بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
يقول تعالى ذكره : وما لكم أيها الناس لا تنفقوا مما رزقكم الله في سبيل الله وإلى الله صائر أموالكم إن لم تنفقوها في حياتكم في سبيل الله ، لأن له ميراث السماوات والأرض ، وإنما حثهم جل ثناؤه بذلك على حظهم ، فقال لهم : أنفقوا أموالكم في سبيل الله ، ليكون ذلكم لكم ذخرا عند الله من قبل أن تموتوا ، فلا تقدروا على ذلك ، وتصير الأموال ميراثا لمن له السماوات والأرض . وقوله :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : لا يستوي منكم أيها الناس من آمن قبل فتح مكة وهاجر . ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ
قال : آمن فأنفق ، يقول : من هاجر ليس كمن لم يهاجر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ
يقول : من آمن . قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، قال : يقول غير ذلك . وقال آخرون : عني بالفتح فتح مكة ، وبالنفقة : النفقة في جهاد المشركين . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ