في قوله :
أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ
قال : المزن : السماء والسحاب . وقوله :
لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً
يقول تعالى ذكره :
لو نشاء جعلنا ذلك الماء الذي أنزلناه لكم من المزن ملحا ، وهو الأجاج ، والأجاج من الماء :
ما اشتدت ملوحته ، يقول : لو نشاء فعلنا ذلك به فلم تنتفعوا به في شرب ولا غرس ولا زرع . وقوله :
فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ
يقول تعالى ذكره : فهلا تشكرون ربكم على إعطائه ما أعطاكم من الماء العذب لشربكم ومنافعكم ، وصلاح معايشكم ، وتركه أن يجعله أجاجا لا تنتفعون به . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ . . .
وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
يقول تعالى ذكره : أفرأيتم أيها الناس النار التي تستخرجون من زندكم
أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها
يقول : أأنتم أحدثتم شجرتها واخترعتم أصلها
أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ
يقول : أم نحن اخترعنا ذلك وأحدثناه ؟ . وقوله :
نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً
يقول : نحن جعلنا النار تذكرة لكم تذكرون بها نار جهنم ، فتعتبرون وتتعظون بها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله :
تَذْكِرَةً
قال : تذكرة النار الكبرى . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً
للنار الكبرى . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ، " قالوا : يا نبي الله إن كان لكافية ، قال : " قد ضربت بالماء ضربتين أو مرتين ، لسيتنفع بها بنو آدم ويدنو منها " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد
تَذْكِرَةً
قال : للنار الكبرى التي في الآخرة . وقوله :
وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
اختلف أهل التأويل في معنى المقوين ، فقال بعضهم : هم المسافرون . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال :
ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله :
لِلْمُقْوِينَ
قال : للمسافرين . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
قال : يعني المسافرين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
قال للمرمل : المسافر . حدثني ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وفي قوله :
لِلْمُقْوِينَ
قال : للمسافرين . حدثت عن الحسن ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال :
سمعت الضحاك يقول في قوله :
وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
قال : للمسافرين . وقال آخرون : عني بالمقوين :
المستمتعون بها . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، قوله :
وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
للمستمتعين الناس أجمعين . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد
وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
للمستمتعين المسافر والحاضر . حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب الشهيد ، قال : ثنا عتاب بن بشر ، عن خصيف في قوله :
وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
قال : للخلق . وقال آخرون :
بل عني بذلك : الجائعون . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
قال : المقوي : الجائع في كلام العرب ، يقول : أقويت منه كذا وكذا : ما أكلت منه منذ كذا وكذا شيئا . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال : عني بذلك للمسافر الذي لا زاد معه ، ولا شيء له ، وأصله من قولهم : أقوت الدار : إذا خلت من أهلها وسكانها ؛ كما قال الشاعر :