بالألقاب ، والتنابز بالألقاب : هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة ، وعم الله بنهيه ذلك ، ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض ، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكره أو صفة يكرهها هجاء المؤمن . وإذا كان ذلك كذلك صحت الأقوال التي قالها أهل التأويل في ذلك التي ذكرناها كلها ، ولم يكن بعض ذلك أولى بالصواب من بعض ، لأن كل ذلك مما نهى الله المسلمين أن ينبز بعضهم بعضا . وقوله :
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
يقول تعالى ذكره : ومن فعل ما نهينا عنه ، " وتقدم على معصيتنا بعد إيمانه ، فسخر من المؤمنين ، ولمز أخاه المؤمن ، ونبزه بالألقاب ، فهو فاسق
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
يقول : فلا تفعلوا فتستحقوا إن فعلتموه أن تسموا فساقا ، بئس الاسم الفسوق ، وترك ذكر ما وصفنا من الكلام ، اكتفاء بدلالة قوله :
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ
عليه . وكان ابن زيد يقول في ذلك ما : حدثنا به يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، وقرأ
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
قال : بئس الاسم الفسوق حين تسميه بالفسق بعد الإسلام ، وهو على الإسلام . قال : وأهل هذا الرأي هم المعتزلة ، قالوا : لا نكفره كما كفره أهل الأهواء ، ولا نقول له مؤمن كما قالت الجماعة ، ولكنا نسميه باسمه إن كان سارقا فهو سارق ، وإن كان خائنا سموه خائنا ؛ وإن كان زانيا سموه زانيا قال : فاعتزلوا الفريقين أهل الأهواء وأهل الجماعة ، فلا يقول هؤلاء قالوا ، ولا يقول هؤلاء ، فسموا بذلك المعتزلة . فوجه ابن زيد تأويل قوله :
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ
إلى من دعي فاسقا ، وهو تائب من فسقه ، فبئس الاسم ذلك له من أسمائه وغير ذلك من التأويل أولى بالكلام ، وذلك أن الله تقدم بالنهي عما تقدم بالنهي عنه في أول هذه الآية ، فالذي هو أولى أن يختمها بالوعيد لمن تقدم على بغيه ، أو بقبيح ركوبه ما ركب مما نهى عنه ، لا أن يخبر عن قبح ما كان التائب أتاه قبل توبته ، إذ كانت الآية لم تفتتح بالخبر عن ركوبه ما كان ركب قبل التوبة من القبيح ، فيختم آخرها بالوعيد عليه أو بالقبيح .
وقوله :
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
يقول تعالى ذكره : ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه به من الألقاب ، أو لمزه إياه ، أو سخريته منه ، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم ، فأكسبوها عقاب الله بركوبهم ما نهاهم عنه . وكان ابن زيد يقول في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
قال : ومن لم يتب من ذلك الفسوق فأولئك هم الظالمون . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ . . .
مَيْتاً
. . . رَحِيمٌ
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، لا تقربوا كثيرا من الظن بالمؤمنين ، وذلك إن تظنوا بهم سوءا ، فإن الظان غير محق ، وقال جل ثناؤه :
اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ
ولم يقل : الظن كله ، إذ كان قد أذن للمؤمنين أن يظن بعضهم ببعض الخير ، فقال :
لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ
فأذن الله جل ثناؤه للمؤمنين أن يظن بعضهم ببعض الخير وأن يقولوه ، وإن لم يكونوا من قيله فيهم على يقين . وبنحو الذي قلنا في معنى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثني أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ
الظن بالمؤمنين يقول : نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن شرا . وقوله :
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
يقول : إن ظن المؤمن بالمؤمن الشر لا الخير إثم ، الظن بالمؤمنين لأن الله قد نهاه عنه ، ففعل ما نهى الله عنه إثم . وقوله :
وَلا تَجَسَّسُوا
التجسس يقول : ولا يتتبع بعضكم عورة بعض ، ولا يبحث عن سرائره ، يبتغى بذلك الظهور على عيوبه ولكن اقنعوا بما ظهر لكم من أمره وبه فاحمدوا أو ذموا لا على ما لا تعلمونه من سرائره . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .