تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
فنزل القرآن
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى
الجهاد قال : تبغي : لا ترضى بصلح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
قال : الأوس والخزرج اقتتلوا بالعصي بينهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
الآية ، ذكر لنا أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مدارأة في حق بينهما ، فقال أحدهما للآخر : لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته ، وأن الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فأبى أن يتبعه ، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا ، وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال ، ولم يكن قتال بالسيوف ، فأمر الله أن تقاتل حتى تفيء إلى أمر الله ، كتاب الله ، وإلى حكم نبيه صلى الله عليه وسلم ؛ وليست كما تأولها أهل الشبهات ، وأهل البدع ، وأهل الفراء على الله وعلى كتابه ، أنه المؤمن يحل لك قتله الجهاد ، فوالله لقد عظم الله حرمة المؤمن حتى نهاك أن تظن بأخيك إلا خيرا ، فقال :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
الآية . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، أن قوما من المسلمين كان بينهم تنازع حتى اضطربوا بالنعال والأيدي ، فأنزل الله فيهم
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
قال قتادة : كان رجلان بينهما حق ، فتدارا فيه ، فقال أحدهما : لآخذنه عنوة ، لكثرة عشيرته ؛ وقال الآخر : بيني وبينك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتنازعا حتى كان بينهما ضرب بالنعال والأيدي . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، قال : ثني عبد الله بن عباس ، قال : قال زيد ، في قول الله تعالى :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما
الجهاد وذلك الرجلان يقتتلان من أهل الإسلام ، أو النفر والنفر ، أو القبيل والقبيلة ؛ فأمر الله أئمة المسلمين أن يقضوا بينهم بالحق الذي أنزله في كتابه : إما القصاص والقود ، وإما العقل والعير ، وإما العفو ،
فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى
بعد ذلك كان المسلمون مع المظلوم على الظالم ، حتى يفيء إلى أمر الله ، ويرضى به . حدثنا ابن البرقي ، قال : ثنا ابن أبي مريم ، قال : أخبرنا نافع بن يزيد ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : ثني ابن شهاب وغيره : يزيد في الحديث بعضهم على بعض ، قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فيه عبد الله بن رواحة ، وعبد الله بن أبي ابن سلول : فلما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن أبي ابن سلول : لقد آذانا بول حماره ، وسد علينا الروح ، وكان بينه وبين ابن رواحة شيء حتى خرجوا بالسلاح ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاهم ، فحجز بينهم ، فلذلك يقول عبد الله بن أبي :
متى ما يكن مولاك خصمك جاهدا * تظلم ويصرعك الذين تصارع
قال : فأنزلت فيهم هذه الآية
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
. وقوله :
وَأَقْسِطُوا
الجهاد يقول تعالى ذكره : واعدلوا أيها المؤمنون في حكمكم بين من حكمتم بينهم بأن لا تتجاوزوا في أحكامكم حكم الله وحكم رسوله
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
يقول : إن الله يحب العادلين في أحكامهم ، القاضين بين خلقه بالقسط . القول في تأويل قوله تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا . . .
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
في الدين
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ
الصلح إذا اقتتلا بأن تحملوهما على حكم الله وحكم رسوله . ومعنى الأخوين في هذا الموضع : كل مقتتلين من أهل الإيمان ، وبالتثنية قرأ ذلك أخويكم قراء الأمصار وذكر عن ابن سيرين أنه قرأ " بين إخوانكم " بالنون على مذهب الجمع ، وذلك من جهة العربية صحيح ، غير أنه خلاف لما عليه قراء الأمصار ، فلا أحب
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 82 | محمد بن جرير الطبري