بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه ، فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق
فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً
قال : صلح الحديبية . وقال آخرون : عني بالفتح القريب في هذا الموضع : فتح خيبر . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً
قال : خيبر حين رجعوا من الحديبية ، فتحها الله عليهم ، فقسمها على أهل الحديبية كلهم إلا رجلا واحدا من الأنصار ، يقال له : أبو دجانة سماك بن خرشة ، كان قد شهد الحديبية وغاب عن خيبر . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله أخبر أنه جعل لرسوله والذين كانوا معه من أهل بيعة الرضوان فتحا قريبا من دون دخولهم المسجد الحرام ، ودون تصديقه رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان صلع الحديبية وفتح خيبر دون ذلك ، ولم يخصص الله تعالى ذكره خبره ذلك عن فتح من ذلك دون فتح ، بل عم ذلك ، وذلك كله فتح جعله الله من دون ذلك . والصواب أن يعمه كما عمه ، فيقال : جعل الله من دون تصديقه رويا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدخوله وأصحابه المسجد الحرام محلقين رؤوسهم ومقصرين ، لا يخافون المشركين صلح الحديبية وفتح خيبر . القول في تأويل قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ . . .
رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
. . . ذلِكَ مَثَلُهُمْ
. . . يُعْجِبُ
. . . عَظِيماً
يعني تعالى ذكره بقوله :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ
الذي أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بالبيان الواضح ، ودين الحق ، وهو الإسلام ؛ الذي أرسله داعيا خلقه إليه
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
يقول : ليبطل به الملل كلها ، حتى لا يكون دين سواه ، وذلك كان كذلك حتى ينزل عيسى ابن مريم ، فيقتل الدجال ، فحينئذ تبطل الأديان كلها ، غير ، دين الله الذي بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم ، ويظهر الإسلام على الأديان كلها . وقوله :
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
يقول حل ثناؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم :
أشهدك يا محمد ربك على نفسه ، أنه سيظهر الدين الذي بعثك به
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
يقول : وحسبك به شاهدا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حادثنا ابن حميد ، قال :
ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا أبو بكر الهذلي ، عن الحسن
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
يقول : أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الدين كله ، وهذا إعلام من الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ، والذين كرهوا الصلح يوم الحديبية من أصحابه ، أن الله فاتح عليهم مكة وغيرها من البلدان ، مسليهم بذلك عما نالهم من الكآبة والحزن ، بانصرافهم عن مكة قبل دخولهموها ، وقبل طوافهم بالبيت . وقوله :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
يقول تعالى ذكره : محمد رسول الله وأتباعه من أصحابه الذين هم معه على دينه ، أشداء على الكفار ، غليظة عليهم قلوبهم ، قليلة بهم رحمتهم
رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
يقول : رقيقة قلوب بعضهم لبعض ، لينة أنفسهم لهم ، هينة عليهم لهم . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
ألقى الله في قلوبهم الرحمة ، بعضهم لبعض
تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً
يقول : تراهم ركعا أحيانا لله في صلاتهم سجدا أحيانا
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ
يقول : يلتمسون بركوعهم وسجودهم وشدتهم على الكفار ورحمة بعضهم بعضا ، فضلا من الله ، وذلك رحمته إياهم ، بأن يتفضل عليهم ، فيدخلهم جنته
وَرِضْواناً
يقول :