تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
أيها المؤمنون بالقتل ، وجهاد أعداء الله
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
يقول : حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد في الله منكم ، وأهل الصبر على قتال أعدائه ، فيظهر ذلك لهم ، ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيرة فيه وأهل الإيمان من أهل النفاق ونبلو أخباركم ، فنعرف الصادق منكم من الكاذب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله :
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
، وقوله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
ونحو هذا قال : أخبر الله سبحانه المؤمنين أن الدنيا دار بلاء ، وأنه مبتليهم فيها ، وأمرهم بالصبر ، وبشرهم فقال :
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
ثم أخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه ، وصفوته لتطيب أنفسهم ، فقال :
مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا
فالبأساء : الفقر ، والضراء : السقم ، وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ
قال : نختبركم ، البلوى : الاختبار . وقرأ
ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
قال : لا يختبرون
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
واختلفت القراء في قراءة قوله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
، فقرأ ذلك عامة قراء الأمصار بالنون
نَبْلُوَا
و
نَعْلَمَ
، ونبلو على وجه الخبر من الله جل جلاله عن نفسه ، سوى عاصم فإنه قرأ جميع ذلك بالياء والنون هي القراءة . عندنا لإجماع الحجة من القراء عليها ، وإن كان للأخرى وجه صحيح . وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
يقول تعالى ذكره : إن الذين جحدوا توحيد الله ، وصدوا الناس عن دينه الذي ابتعث به رسله .
وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى
يقول : وخالفوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فحاربوه وآذوه من بعد ما علموا أنه نبي مبعوث ، ورسول مرسل ، وعرفوا الطريق الواضح بمعرفته ، وأنه لله رسول . وقوله :
لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً
لأن الله بالغ أمره ، وناصر رسوله ، ومظهره على من عاداه وخالفه .
سَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ
يقول : وسيذهب أعمالهم التي عملوها في الدنيا فلا ينفعهم بها في الدنيا ولا الآخرة ، ويبطلها إلا مما يضرهم . القول في تأويل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا . . .
وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
يقول تعالى ذكره :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
بالله ورسوله
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
في أمرهما ونهيهما
وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ
يقول : ولا تبطلوا بمعصيتكم إياهما ، وكفركم بربكم ثواب أعمالكم فإن الكفر بالله يحبط السالف من العمل الصالح . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ
الآية ، من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا عمله بعمل سيئ فليفعل ، ولا قوة إلا بالله ، فإن الخير ينسخ الشر ، وإن الشر ينسخ الخير ، وإن ملاك الأعمال خواتيمها . وقوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ
يقول تعالى ذكره : إن الذين أنكروا توحيد الله ، وصدوا من أراد الإيمان بالله وبرسوله عن ذلك ، ففتنوهم عنه ، وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من ذلك ، ثم ماتوا وهم كفار : يقول : ثم ماتوا وهم على ذلك من كفرهم .
فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
يقول : فلن يعفو الله عما صنع من ذلك ، ولكنه يعاقبه عليه ، ويفضحه به على رؤوس الأشهاد . القول في تأويل قوله تعالى :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ
يقول تعالى ذكره : فلا تضعفوا أيها المؤمنون بالله عن جهاد المشركين وتجبنوا عن قتالهم . كما : حدثني