تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة " أسرارهم " بفتح الألف من أسرارهم على وجه جماع سر . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة
إِسْرارَهُمْ
بكسر الألف على أنه مصدر من أسررت إسرارا . والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ
يقول تعالى ذكره : والله يعلم أسرار هؤلاء المنافقين ، فكيف لا يعلم حالهم إذا توفتهم الملائكة ، وهم يضربون وجوههم وأدبارهم ، يقول : فحالهم أيضا لا يخفى عليه في ذلك الوقت ويعني بالأدبار : الأعجاز ، وقد ذكرنا الرواية في ذلك فيما مضى قبل . وقوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ
يقول تعالى ذكره : تفعل الملائكة هذا الذي وصفت بهؤلاء المنافقين من أجل أنهم اتبعوا ما أسخط الله ، فأغضبه عليهم من طاعة الشيطان
وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ
يقول : وكرهوا ما يرضيه عنهم من قتال الكفار به ، بعد ما افترضه عليهم . وقوله :
فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ
يقول : فأبطل الله ثواب أعمالهم وأذهبه ، لأنها عملت في غير رضاه ولا محبته ، فبطلت ، ولم تنفع عاملها . القول في تأويل قوله تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ
يقول تعالى ذكره : أحسب هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم شك في دينهم ، وضعف في يقينهم ، فهم حيارى في معرفة الحق أن لن يخرج الله ما في قلوبهم من الأضغان على المؤمنين ، فيبديه لهم ويظهره ، حتى يعرفوا نفاقهم ، وحيرتهم في دينهم
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ
يقول تعالى ذكره : ولو نشاء يا محمد لعرفناك هؤلاء المنافقين حتى تعرفهم من قول القائل : سأريك ما أصنع ، بمعنى سأعلمك . وقوله :
فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ
يقول : فلتعرفنهم بعلامات النفاق الظاهرة منهم في فحوى كلامهم ، وظاهر أفعالهم ، ثم إن الله تعالى ذكره عرفه إياهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ
إلى آخر الآية ، قال : هم أهل النفاق ، وقد عرفه إياهم في براءة ، فقال :
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً ، وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ
وقال :
فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا
حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
الآية ، هم أهل النفاق
فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
فعرفه الله إياهم في سوره براءة ، فقال :
وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً
وقال فقل لهم لن تنفروا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ
قال : هؤلاء المنافقون ، قال : والذي أسروا من النفاق هو الكفر . حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله
وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ
قال : هؤلاء المنافقون ، قال : وقد أراه الله إياهم ، وأمر بهم أن يخرجوا من المسجد ، قال : فأبوا إلا أن تمسكوا بلا إله إلا الله ؛ فلما أبوا إلا أن تمسكوا بلا إله إلا الله حقنت دماؤهم ، ونكحوا ونوكحوا بها . وقوله :
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
يقول : ولتعرفن هؤلاء المنافقين في معنى قولهم ونحوه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
قال قولهم :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ
لا يخفى عليه العامل منكم بطاعته ، والمخالف ذلك ، وهو مجازي جميعكم عليها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا . . .
وَصَدُّوا
. . . أَعْمالَهُمْ
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 38 | محمد بن جرير الطبري