تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
إذا أضيف إلى فعل أو يفعل أو إذا كان كذلك ، ورفعه في موضع الرفع ، وخفضه في موضع الخفض يجوز : فلو قيل
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
فرفع يوم ، لكان وجها ، ولم يقرأ به أحد من القراء . وقال آخر منهم : إنها نصب
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
لأنه إضافة غير محضة فنصب ، والتأويل رفع ، ولو رفع لجاز لأنك تقول : متى يومك ؟ فتقول : يوم الخميس ، ويوم الجمعة ، والرفع الوجه ، لأنه اسم قابل اسما فهذا الوجه . وأولى القولين بالصواب في تأويل قوله :
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
قول من قال : يعذبون بالإحراق ، لأن الفتنة أصلها الاختبار ، وإنما يقال : فتنت الذهب بالنار : إذا طبختها بها لتعرف جودتها ، فكذلك قوله :
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
يحرقون بها كما يحرق الذهب بها ، وأما النصب في اليوم فلأنها إضافة غير محضة على ما وصفنا من قول قائل ذلك . القول في تأويل قوله تعالى :
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ . . .
كُنْتُمْ بِهِ
. . . مُحْسِنِينَ
يعني تعالى ذكره بقوله :
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ
يقال لهم : ذوقوا فتنتكم وترك يقال لهم لدلالة الكلام عليها . ويعني بقوله :
فِتْنَتَكُمْ
: عذابكم وحريقكم . واختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بغضهم بالذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : تنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله :
فِتْنَتَكُمْ
قال : حريقكم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ
: ذوقوا عذابكم
هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله :
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ
يقول : يوم يعذبون ، فيقول : ذوقوا عذابكم . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ
يقول : حريقكم . حدثني ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ
يقول : احتراقكم . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ
قال : ذوقوا عذابكم . وقال آخرون : عني بذلك : ذوقوا تعذيبكم أو كذبكم . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله :
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ
يقول : تكذيبكم . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله :
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ
يقول : حريقكم ، ويقال : كذبكم . وقوله :
هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ
يقول تعالى ذكره : يقال لهم : هذا العذاب الذي توفونه اليوم ، هو العذاب الذي كنتم به تستعجلون في الدنيا . وقوله :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
يقول تعالى ذكره : إن الذين اتقوا الله بطاعته ، واجتناب معاصيه في الدنيا في بساتين وعيون ماء في الآخرة . وقوله :
آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ
يقول تعالى ذكره : عاملين ما أمرهم به ربهم مؤدين فرائضه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي عمر ، عن مسلم البطين ، عن ابن عباس ، في قوله :
آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ
قال : الفرائض . وقوله :
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ
يقول : إنهم كانوا قبل أن يفرض عليهم الفرائض محسنين ، يقول : كانوا لله قبل ذلك مطيعين . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن أبي عمر ، عن مسلم البطين ، عن ابن عباس
إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ
قال : قبل الفرائض محسنين يعملون . القول في تأويل قوله تعالى :
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ . . .
وَالْمَحْرُومِ
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله :
كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ
قال بعضهم : معناه كانوا قليلا من الليل لا يهجعون ، وقالوا : " ما " بمعنى الجحد . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار وابن المثني ، قالا : ثنا يحيى
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 121 | محمد بن جرير الطبري