تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
وكما قال الآخر :
وبصرة الأزد منا والعراق لنا * والموصلان ومنا مصر والحرم
يعني : الموصل والجزيرة ، فقال : الموصلان ، فغلب الموصل . وقد قيل : عنى بقوله
بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ
مشرق الشتاء ، ومشرق الصيف ، وذلك أن الشمس تطلع في الشتاء من مشرق ، وفي الصيف من مشرق غيره ؛ وكذلك المغرب تغرب في مغربين مختلفين ، كما قال جل ثناؤه :
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
وذكر أن هذا قول أحدهما لصاحبه عند لزوم كل واحد منهما صاحبه حتى يورده جهنم . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن سعيد الجريري ، قال : بلغني أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره ، سفع بيده الشيطان ، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار ، فذلك حين يقول : يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ، فبئس القرين . وأما المؤمن فيوكل به ملك فهو معه حتى قال : إما يفصل بين الناس ، أو نصير إلى ما شاء الله . وقوله :
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ
أيها العاشون عن ذكر الله في الدنيا
إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ
يقول : لن يخفف عنكم اليوم من عذاب الله اشتراككم فيه ، لأن لكل واحد منكم نصيبه منه ، و " أن " من قوله
أَنَّكُمْ
في موضع رفع لما ذكرت أن معناه : لن ينفعكم اشتراككم . القول في تأويل قوله تعالى :
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . . .
مُقْتَدِرُونَ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :
أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ
من قد سلبه الله استماع حججه التي احتج بها في هذا الكتاب فأصمه عنه ، أو تهدي إلى طريق الهدى من أعمى الله قلبه عن إبصاره ، واستحوذ عليه الشيطان ، فزين له الردى
وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
يقول : أو تهدي من كان في جور عن قصد السبيل ، سالك غير سبيل الحق ، قد أبان ضلاله أنه عن الحق زائل ، وعن قصد السبيل جائر : يقول جل ثناؤه : ليس ذلك إليك ، إنما ذلك إلى الله الذي بيده صرف قلوب خلقه كيف شاء ، وإنما أنت منذر ، فبلغهم النذارة . وقوله :
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ
اختلف أهل التأويل في المعنيين بهذا الوعيد ، فقال بعضهم : عني به أهل الإسلام من أمة نبينا عليه الصلاة والسلام . ذكر من قال ذلك : حدثنا سوار بن عبد الله العنبري ، قال : ثني أبي ، عن أبي الأشهب ، عن الحسن ، في قوله :
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ
قال : لقد كانت بعد نبي الله نقمة شديدة ، فأكرم الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ
فذهب الله بنبيه صلى الله عليه وسلم ، ولم ير في أمته إلا الذي تقر به عينه ، وأبقى الله النقمة بعده ، وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته العقوبة ، أو قال ما لا يشتهي . ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أري الذي لقيت أمته بعده ، فما زال منقبضا ما انبسط ضاحكا حتى لقي الله تبارك وتعالى . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، قال : تلا قتادة
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ
فقال : ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت النقمة ، ولم ير الله نبيه صلى الله عليه وسلم في أمته شيئا يكرهه حتى مضى ، ولم يكن نبي قط إلا رأى العقوبة في أمته ، إلا نبيكم صلى الله عليه وسلم . قال : وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته بعده ، فما رئي ضاحكا منبسطا حتى قبضه الله . وقال آخرون : بل عنى به أهل الشرك من قريش ، وقالوا : قد أري الله نبيه عليه الصلاة والسلام فيهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله :
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ
كما انتقمنا من الأمم الماضية .
أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ
فقد أراه الله ذلك وأظهره عليه وهذا القول الثاني