يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ما كنت تدري يا محمد أي شيء الكتاب ولا الإيمان اللذين أعطيناكهما .
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً
يقول : ولكن جعلنا هذا القرآن ، وهو الكتاب نورا ، يعني ضياء للناس ، يستضيئون بضوئه الذي بين الله فيه ، وهو بيانه الذي بين فيه ، مما لهم فيه في العمل به الرشاد ، ومن النار النجاة
نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
يقول : نهدي بهذا القرآن ، فالهاء في قوله " وبه " من ذكر الكتاب . ويعني بقوله :
نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ
نسدد إلى سبيل الصواب ، وذلك الإيمان بالله
مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
يقول : نهدي به من نشاء هدايته إلى الطريق المستقيم من عبادنا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ
يعني محمدا صلى الله عليه وسلم
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
يعني بالقرآن . وقال جل ثناؤه
وَلكِنْ جَعَلْناهُ
فوحد الهاء ، وقد ذكر قبل الكتاب والإيمان ، لأنه قصد به الخبر عن الكتاب . وقال بعضهم : عنى به الإيمان والكتاب ، ولكن وحد الهاء ، لأن أسماء الأفعال يجمع جميعها الفعل ، كما يقال : إقبالك وإدبارك يعجبني ، فيوحدهما وهما اثنان . وقوله :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وإنك يا محمد لتهدي إلى صراط مستقيم عبادنا ، بالدعاء إلى الله ، والبيان لهم .
كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
قال تبارك وتعالى
وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ
داع يدعوهم إلى الله عز وجل . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال :
ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
قال : لكل قوم هاد . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
يقول :
تدعو إلى دين مستقيم .
صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
يقول جل ثناؤه : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ، وهو الإسلام ، طريق الله الذي دعا إليه عباده ، الذي لهم ملك جميع ما في السماوات وما في الأرض ، لا شريك له في ذلك . والصراط الثاني : ترجمة عن الصراط الأول .
وقوله جل ثناؤه :
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
يقول جل ثناؤه : ألا إلى الله أيها الناس تصير أموركم في الآخرة ، فيقضي بينكم بالعدل . فإن قال قائل : أو ليست أمورهم في الدنيا إليه ؟ قيل : هي وإن كان إليه تدبير جميع ذلك ، فإن لهم حكاما وولاة ينظرون بينهم ، وليس لهم يوم القيامة حاكم ولا سلطان غيره ، فلذلك قيل : إليه تصير الأمور هنا لك وإن كانت الأمور كلها إليه وبيده قضاؤها وتدبيرها في كل حال .
آخر تفسير سورة حم عسق
[ تفسير سورة الزخرف ]
القول في تأويل قوله تعالى
حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ . . .
تَعْقِلُونَ
قد بينا فيما مضى قوله
حم
بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقوله :
وَالْكِتابِ الْمُبِينِ
قسم من الله تعالى أقسم بهذا الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فقال :
وَالْكِتابِ الْمُبِينِ
لمن تدبره وفكر في عبره ، وعظاته ، هداه ، ورشده ، وأدلته على حقيته ، وأنه تنزيل من حكيم حميد ، لا اختلاق من محمد صلى الله عليه وسلم ولا افتراء من أحد
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا