ببر بعضه بدرهم ، وبعضه بدرهم ؛ فلما كان المعنى التبعيض حذف العائد . قال : وأما ابتداء وإن " في كل موضع إذا طال الكلام ، فلا يجوز أن تبتدئ إلا بمعنى : قل إن الموت الذي تفرون منه ، فإنه جواب للجزاء ، كأنه قال : ما فررتم منه من الموت ، فهو ملاقيكم . وهذا القول الثاني عندي أولى في ذلك بالصواب للعلل التي ذكرناها . القول في تأويل قوله تعالى :
وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ . . .
يَوْمَ الْقِيامَةِ . . .
مُقِيمٍ
يقول تعالى ذكره : وترى يا محمد الظالمين يعرضون على النار
خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ
يقول : خاضعين متذللين . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : الخشوع : الخوف والخشية لله عز وجل ، وقرأ قول الله عز وجل :
لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ
إلى قوله :
خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ
قال : قد أذلهم الخوف الذي نزل بهم وخشعوا له . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله :
خاشِعِينَ
قال : خاضعين من الذل . وقوله :
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
يقول : ينظر هؤلاء الظالمون إلى النار حين يعرضون عليها من طرف خفي . واختلف أهل التأويل في معنى قوله :
مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
فقال بعضهم : معناه : من طرف ذليل . وكأن معنى الكلام :
من طرف قد خفي من ذلة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله :
وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ
إلى قوله :
مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
يعني بالخفي : الذليل . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى :
وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله عز وجل :
مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
قال : ذليل . قال آخرون : بل معنى ذلك أنهم يسارقون النظر .
ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :
يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
قال : يسارقون النظر . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي
مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
قال : يسارقون النظر . واختلف أهل العربية في ذلك ، فقال بعض نحويي البصرة في ذلك : جعل الطرف العين ، كأنه قال : ونظرهم من عين ضعيفة ، والله أعلم . قال : وقال يونس : إن
مِنْ طَرْفٍ
مثل بطرف ، كما تقول العرب : ضربته في السيف ، وضربته بالسيف . وقال آخر منهم : إنما قيل :
مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
لأنه لا يفتح عينيه ، إنما ينظر ببعضها . وقال آخرون منهم : إنما قيل :
مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
لأنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم ، لأنهم يحشرون عميا . والصواب من القول في ذلك ، القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ومجاهد ، وهو أن معناه : أنهم ينظرون إلى النار من طرف ذليل ، وصفه الله جل ثناؤه بالخفاء للذلة التي قد ركبتهم ، حتى كادت أعينهم أن تغور ، فتذهب . وقوله :
وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
يقول تعالى ذكره : وقال الذين آمنوا بالله ورسوله : إن المغبونين الذين غبنوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة في الجنة . كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله :
الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
قال : غبنوا أنفسهم وأهليهم في الجنة . وقوله :
أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ
يقول تعالى ذكره :
ألا إن الكافرين يوم القيامة في عذاب لهم من الله مقيم عليهم ، ثابت لا يزول عنهم ، ولا يبيد ، ولا يخف .
القول في تأويل قوله تعالى :
وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ . . .
فَما لَهُ
. . . مِنْ نَكِيرٍ
يقول تعالى ذكره : ولم يكن لهؤلاء الكافرين حين يعذبهم الله يوم القيامة أولياء يمنعونهم من عذاب الله ولا ينتصرون لهم من ربهم على ما نالهم به من العذاب من دون الله .
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ